هذه الآية في سورة الأنفال في سياق الحديث عن المشركين يوم بدر وتنص على انتفاء وقوع العذاب عليهم والنبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم، بينما ظاهر الحديث وما تدل عليه السيرة أن الله عز وجل عذبهم يوم بدر بالقتل والهزيمة على أيدي المؤمنين، فكيف يمكن الجمع بين الآية والحديث؟
أجاب العلماء عن موهم التعارض بين الآية والحديث فقالوا: إن هذه الآية منسوخة بالآية التي بعدها وهي قوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... } الآية، فهذه الآية أثبتت استحقاقهم للعذاب بسبب صدّهم الناس عن المسجد الحرام، وبذلك لا يكون هناك تعارض بين وقوع العذاب لهم يوم بدر كما في الحديث، وبين نفيه كما في الآية الأولى المنسوخة.
فعن عكرمة والحسن قالا: قال في الأنفال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) } فنسختها الآية التي تليها {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ... } ... إلى قوله: {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} فقوتلوا بمكة، وأصابهم فيها الجوع والحصر.
ثالثًا: مسلك الترجيح:
بعد تعذر مسلك الجمع والنسخ بين الأدلة في دفع موهم التعارض بين القرآن والسنة لجأ العلماء لمسلك الترجيح بينهما وتقديم الراجح على المرجوح في ضوء وجوه الترجيح وقواعده العديدة.
قال السبكي: إنما يرجح أحد الدليلين على الآخر إذا لم يمكن العمل بكل واحد منهما.
فيعمل حينئذ بالراجح ويترك المرجوح من الأدلة، وبذلك يندفع موهم التعارض بين الأدلة.