فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 384

وقد قدمت طرفًا صالحًا مما يجب على عباد الله المسلمين المؤمنين نحو بعضهم البعض, وذلك من خلال الوجه الخامس والأربعين إلى ما فوق التسعين، وفي خلال تلك ذكرت أن العابد لله لا يترك أخاه المؤمن عرضة للأحداث وفريسة للظلمة, هذا يعضه وهذا يفتنه أو يفنيه, وأن العابد لله يدخل السرور في بيوت المسلمين, ويذب عنهم كل نائبة ويحمي ذمارهم - فليرجع إلى تلك الوجوه من طلب الزيادة - والحاصل: أن الرابطة الحقيقية والدعامة الصالحة الثابتة هي رابطة الدين ودعامته وأن النداء بأي رابطة غير الإسلام من الروابط القومية والمذاهب المادية ممنوع بإجماع المسلمين ولا يجوز قطعًا, بل هو إما أن يكون معصية كبيرة وإثمًا عظيمًا, أو يكون شركًا مخلًا بأصل العقيدة ومضادًا لها كما أوضحناه سابقًا، ونزيد هنا إيضاحًا: أما كونه معصية وإثمًا عظيمًا فإنه مخالفة للأمر وارتكاب للنهي, وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليس منا من دعا إلى عصبية" (1) وقال في حديث جابر الذي رواه البخاري وغيره:"دعوها فإنها منتنة"فقوله:"دعوها"أمر صحيح بتركها, والأمر المطلق يقتضي الوجوب على التحقيق كما قرره الأصوليون، لأن الله يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] , ولأن الله اعتبر إبليس عاصيًا بمخالفة أمر واحد فأبعده من ملكوت السموات، ولعنه بالطرد من رحمته، ومن تأمل في واقع كل أمة إسلامية عتت عن أمر ربها ورسله ونادت بالقومية ونحوها من المبادئ العصبية والمادية, وجدها تتخبط في صنوف الفتنة وعذاب الشقاق والأزمات المتلاحقة نتيجة الحرمان من رحمة

1 -أخرجه أبو داود في سننه (5121) من طريق محمد بن عبد الرحمن المكي, عن عبد الله بن أبي سليمان عن جبير بن مطعم مرفوعًا به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت