ـ ذلك لأنك لم تر ما أرى ، فجرى على لسانك ما جرى .
ـ أما يسوؤك رؤية النواقيس والصلبان في كلِّ مكان ؟
أما يحزنك أن تبذل مالك لمن يقتل به إخوانك ؟
ألا يؤلمك أن تقوى بك شوكة أعدائك الذي يحاربون دينك ويعادون عقيدتك ؟
أما يحزُّ في نفسك أن تكون لهم فريسة سهلة ، يقع عليك مكرهم وتُحاك ضدَّك مكائدهم ؟
ـ ( تصرخ فيَّ ) قائلًا: إنَّ إيماني يأبى عليَّ ذلك ، وديني يحجزني عن هذه المهالك .
ـ لا فُضَّ فوك ! فهذا العهد بك ، والمُؤَمَّلُ فيك .
أما قلت لك: أنا أعلم مع من أتحدث ؟!
فلم أطلبِ المعروف من غير كفِّهِ وهل تنزل الأمطارُ إلاَّ من السُّحُبِ [1]
ولو أن كلَّ سائح استشعر هذا لما أصبح الكثير من السائحين فتنةً للقوم الكافرين ، يرون منه ضعفًا في دينه ، ودناءة في نفسه ، وسوءًا في تصرُّفاته ما يُزهِّدهم في دينه ، ويصدَّهم عن اعتناقه والدخول فيه ، وأصبح بعض المسافرين لا يهمُّه إلاَّ أن يشبع غرائزه الثائرة ، وشهواته الهائجة ، بما حرَّم الله عليه من خمورٍ ومخدرات ، ورقصٍ ومجونٍ ، وخلاعة وفنونٍ ، وزنا ولواط ، وتعرِّي وسفور ، وكأنما الله تعالى يُعبدُ في وطنٍ دون وطن ، وفي زمنٍ دون زمنٍ !
فحسبنا الله .. فيمن شوَّهَ دينه ، وأضاعَ عِرضه ، وأذهل عقله ، ونكَّس رأسه ، وفرَّط في عقيدته ، وأساء إلى أمَّته !
ـ ذلك ـ والله ـ ما لا أرضاه ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .
ـ لا يزال الرجل بخير ما دام عقله يحكم قلبه ، ودينه يضبط تحركاته ، وإيمانه يسيطر على تصرفاته ، فما قرارك الآن ؟
ـ السفر إلى ديار المسلمين ، ويكفيني أن أسمع صيحات المؤذنين تدوي على رؤوس المنائر ، وكلمات الواعظين تهتف فوق المنابر .
ـ لا حرمك مولاك أجر نيَّتك وثواب مقصدك ، ولكن إلى أين تذهب في ديار المسلمين ؟
ـ إلى ما يذهبُ إليه كثير من السائحين الذين يبحثون عن المتعة في الجو العليل والمنظر الجميل ..
(1) - ابن نباتة السعدي .