ـ تقول: مللتُ روتين الحياة ، وسئمت رتابة العمل ، وأحتاج إلى نزهة تستجمُّ فيها نفسي ويرتاح فيها قلبي .
ـ لا بأس عليك ، فلنفسك عليك حقٌ ، ولأهلك عليك حقٌّ ، فآت كلَّ ذي حقٍّ حقَّه ، ولكن إلى أين السفر ؟
ـ إلى بلاد البهاء والخضرة والجمال والنظرة ، أرى حضارة الأمم ، وتقدُّم الأعاجم ، وتطور الغرب ..
ـ إذًا .. إلى بلاد الكفر والكافرين !
ـ ( تقاطعني ) وما شأني بكفرهم ؟ فأنا ـ ولله الحمد ـ أتمتع بدنياهم ، ولا شأن لي بدينهم .
ـ لكن لك الشأن كله بدينك أيها المسلم .
ـ صدقت وبالحق نطقت ، فعليه أعيش ومن أجله أحيا .
ـ قلتَ جميلًا ، فهات دليلًا ..
ألم تسمع بقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم:"أنا بريء من كلِّ مسلمٍ يُقيمُ بين أظهُرِ المشركين" [1] .
وقوله ـ صلى الله عليه وسلم:"مَن جامَعَ المُشركَ ، وسكَنَ معَهُ ، فإنَّهُ مِثلُهُ" [2] .
فأيُّ متعة تجدها في رؤية من هم وقودُ النار [3] ؟!
وأيُّ لذَّة تُحسُّ بها وأنت تبصر أشباحًا تمشي على وجه الأرض ، ليس بينهم وبين دخول النار ـ إن لم يتوبوا ـ إلاًّ أن يموتوا ..؟!
ـ ( مقاطعًا ) أني ـ يا أخي ـ أتمتع ببلادهم ، وأتلذَّذ بما في ديارهم ، فقد بُسطت لهم خيرات الأرض ، وغدت ديارهم كالجنان الوارفة التي يعجز عنها الوصف وتفوق الخيال ، حتى أني أصبت بخيبة أمل على ديار المسلمين ..فكم نحن في تخلُّفٍ ورجعية !
ـ وهذا مما أخشاه عليك !
ـ أتخشى عليَّ أن أُعْجِبْتُ بحياتهم ، وراق لي عيشهم ؟!
ـ إني أخشى عليك من الهزيمة النفسية ، والإعجاب الذي يورث المحبَّة والتعلق ، ثمَّ يورث التطبُّع والتخلُّق ، ثمَّ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ، وتكون لنا الآخرة ؟!
(1) - صحيح سنن الترمذي (2/119) (1307) عن جرير بن عبد الله .
(2) - صحيح سنن أبي داود (2/536) (2420) عن سمرة بن جندب .
(3) - المقصود هو الغالب الأعم من ديار الكفار ولا يشمل ذلك المسلمين الذين يعيشون في تلك الديار .