فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 32

ورنّ في أذني صوت أبي سفيان: أعل هبل، تلفت، فما رأيت هبل، ولا شيعة هبل، وإذا هو قد درج من درج، ولم يبق إلا الله الأعلى الأجل، ثم سمعت صوت أبي سفيان يرن في أذني مرة ثانية، يخرج من هناك من أرض الشام، التي فتحها لهم سيد العالم، قويًا شديدًا، ينادي في المعركة الحمراء، بصوت سمعه كل من في اليرموك:

يا نصر الله اقترب، الثبات الثبات، يا معشر المسلمين.

فثبتوا وجاءهم النصر وملكوا سورية من أقصاها إلى أقصاها، فهي لهم ولأبنائهم إلى يوم القيامة، ورأيت مئات من مثل هذه الصور، فأحسست كأنها انتقلت إلى العهد الأول، وأشهد هبوط الوحي، وأرى جلال النبوة وعزة الإسلام...

ونظرت، فإذا أحد لا يزال بعيدًا، يعترض هذا الوادي الذي نسير فيه مشرقًا بهيًا، تومض عروقه المختلفة الألوان من الأخضر البهي، إلى الأحمر المشرق، إلى الأزرق اللامع، فتمتزج هذه الألوان وتختلط، فيكون لها في العين أبهى منظر، وفي القلب أسمى شعور، فازداد بي الشوق، فأقبلت أستحث السائق واستعجله، أود لو تطوى له الأرض طيًا أو يطير بنا إلى المدينة طيرانًا، فلا أرى السيارة تريم مكانها، وأجد أحدًا لا يزال بعيدًا، فأعود فأستحث السائق... ومالي لا أسرع إلى أحد وأحبه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحد جبل يحبنا ونحبه، ومالي لا أزداد شوقًا إلى المدينة، وليس بيني وبينها إلا ربع ساعة؟

وأعظم ما يكون الشوق يومًا

إذا دنت الخيام من الخيام

ولما خرجنا من الوادي، وأنهينا إلى الفضاء الرحب، رأينا وجه أحد وعلى سفحه النخيل والبساتين، ورأينا سلعًا وهو جبل أسود عال، يقوم حيال أحد فيحجب المدينة وراءه، فلا يبدو منها إلا جانب الحرة، وطرف النخيل، فذكرت قول محمد بن عبدالملك وقد ورد بغداد فحن إلى المدينة:

ألا ليت شعري هل ابيتن ليلة

بسلع ولم تغلق على دروب

وهل أحد باد لنا وكأنه

حصان أمام المقربات جنيب

يخب السراب الضحل بيني وبينه

فيبدو لعيني تارة ويغيب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت