فإن شفائي نظرة أن نظرتها
إلى أحد والحرتان قريب
وإني لأرعى النجم حتى كأنني
على كل نجم في السماء رقيب
وأشتاق للبرق اليماني إن بدا
وأزداد شوقًا أن تهب جنوب
وكان علينا أرطال من الغبار والأوساخ، فاستحيينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ندخل مدينته ونسلم عليه، ونحن على مثل هذه الحال؛ وكانت البساتين والحيطان قريبة منا، فسرنا إليها، نخب من الرمل، فلما دنونا من أحدها، سمعت غناء موقعًا على ناد، كأشجى وأطرب ما سمعت من الغناء فتعجبت، ثم ذكرت أن أهل المدينة مذ كانوا أطرب الناس وأبصرهم بالغناء، وهممت بالدخول، ثم أحجمت وقلت:
لعل المغني امرأة، فلقد كان الذي سمعت صوتًا طريًا رقيقًا لا يكون إلا لامرأة أو غلام، ثم حانت مني التفاتة، من فرجة الباب، فإذا المغني عبد أسود كالليل، وإذا الذي حسبته ناديًا ناعورة يديرها جمل، لها مثل صوت النواعير في حماه لكن صوتها أرق وأحلى، وإذا هذا السور الذي تلطمه الصحراء برمالها كما تضرب الأواذي صخرة الشاطئ، قد عرض على جانبه الآخر الياسمين، وأزهر عليه الفل، وظللته الأشجار وحنا عليه النخل، ورأينا الماء يهبط على الساية، كأنه ذوب اللجين، ثم يجري فيها صافيًا عذبًا متكسرًا، فجننا برؤية الماء الجاري، ولم نكن قد رأيناه منذ سبعة عشر يومًا، إلا مرة واحدة في العلا، واقتحمنا الباب، وأقبلنا على الماس نغمس فيه أيدينا، وأرجلنا، ونضرب به وجوهنا، ثم لا نشبع منه ولا ننصرف عنه، حتى أرحنا رائحة الحياة، فاستلقينا على الأرض ننظر إلى الصحراء الهائلة، التي أفلتنا منها وضرب بيننا وبينها بسور له باب، باطنه في الرحمة، وظاهره من قبله العذاب.