سرنا أربعين كيلًا أخرى، ولا تزال هذه الجبال تلوح في الأفق كأنها خيال حلم بعيد، يشع منها نور غريب، يومض من وراء القفر، كما يومض الأمل المشرق في ظلمة اليأس، وكنا قد شارفنا سكة الحديد فتخطيناها مستعبرين، ودخلنا من أددوية ما لها آخر غابت عنا فيها هذه الجبال التي كنا نراها، فنستأنس بمرآها وقاسينا فيها الشدائد من التواء الأرض وكثرة الأحجار وتشابه المسالك، ولم يكن فينا من ينبس، إلا أن يعرض لنا جبل أو شعب فأسأل الدليل عن اسمه لأكتبه في دفتري الذي سرق مني في آخر الرحلة، ثم أرجع إلى صمتي الطويل.
فلما زال النهار، صاح بي الدليل:
-هيه. أنت يال كاتب. اكتب: هذا أحد!
-فصحت: إذن قد وصلنا!
-فقال: ما قلت لك الظهر، هذا أحد، بقي نصف ساعة.
لم يكن يدري الدليل الأعرابي أي ذكريات انبعثت في نفسي حين قال: هذا أحد! وأي عالم تجلى لعيني، فرأيت المعركة قائمة والمسلمين ظافرين، قد منحهم الله أكتاف العدو، ورأبت الرماة إذ يزلون عن أماكنهم، ويبتدرون الغنائم، وخالدًا حين يرتد بخيله على هؤلاء الذين عصوا أمر الرسول وغرتهم الدنيا، ورأيت النبي صلى الله عليه وسلم ثابتًا مثل أحد، وحوله صحابته الغر الميامين، يذبون عن الدين، ويحمون حمى النبوة، ثم أبصرت هندًا قائمة على جثة البطل السميدع، سيد الشهداء، تريد الانتقام لمن قتلهم حمزة في بدر من أهلها فأرادت أن تأكل كبده، فشقت عنها فاستخرجتها فلاكتها، فلما وجدت بفيها صلادة الصوان لفظتها وأبصرت النبي صلى الله عليه وسلم واقفًا عليه يبكي، فلما رأى ما مثل به شهق، ولم يكن منظرًا أوجع لقلبه منه، ثم قال:
رحمك الله يا عم، فلقد كنت وصولًا للرحم، فعولًا للخيرات، فوالله لئن أظفرني الله بالقوم لأمثلن بسبعين منه، فما برح حتى هبط عليه الوحي، فقام يتلو قول الله جل وعز:
(وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) فانصرف وقد عفا