فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 32

في مهمه تشابهت أرجاؤه، كأن لون أرضه سماؤه، فرحت أفكر في هذه السبعة عشر يومًا، وما قاسينا فيها من الجزع والتعب والجوع والعطش، وأتصور الغد الرهيب الذي ينفد فيه ماؤنا وزادنا، ويلفحنا فيه سموم الحجاز وشمسه المحرقة، فأرتجف من الرعب.

وجعلت أحد النظر في هذا الأفق الرحيب، لعلي أرى قرية أو خيامًا، فلا أرى إلا لمع السراب، ولا أبصر إلا هذه الجبال التي طلعت علينا أمس فاستبشرنا بها وابتهجنا وظنناها قرية منا، فسرنا مائة وعشرين كيلًا وهي قيد أبصارنا، تلوح لنا من بعيد كأنها بحر معلق حيال الأفق، ضائع بين السماء والأرض لم تتضح ولم تقترب.

فشققت هذا السكون وصحت بالدليل (محمد العطوي) :

-يا محمد! أيش تكون هذه الجبال؟

-فقال: هذه يا خوي جبال المدينة، وحنا (ونحن) إن شاء الله الظهر فيها.

-قلت: ما تقول؟

ووثبت وثبة تطاير منها اليأس والخمول عن عاتقي، وأحسست كأن قد صب في أعصابي عزم أمة، وقوة جيش، وظننت أني لو أردت السحاب لنلته، ولو غالبت الأسد لغلبتها، ولو قبضت على الصخر لفتته، وجعلت أقفز وأصرخ، لا أعي ما أنا فاعل، فقد استخفني الفرح، وسرني من هذه الكلمة أكثرما يسرني أن يقال لي: أنت أمير المؤمنين:

وصحت بأصحابي فقاموا كالأسود.

عالجنا السيارات حتى أخرجناها من الرمل، وملنا بها عن هذه الكثبان حتى ألقيناها على إيماننا، وأنهينا إلى أرض شديدة درجت عليها السيارات، فاستندت إلى النافذة، وأطلقت نفسي تطير في سماء الأماني، فلم أدع صورة للمدينة إلا تصورتها، وأقمها أمام عيني، وأفضت عليها ما أستطيع من الجمال والجلال، فلا أطمئن إليها، ولا أجدها إلا دون ما في نفسي، ولم يكن يربطني بالأرض إلا صوت الدليل، وهو يهتف بالسائق:

-سر يمينًا، مل شمالًا، لج بين هذين التلين، دع هذه القارة على اليمين، احترس من هذا الشعب، تنكب هذه الرملة، ثم يعود السكون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت