وجعل يذكر كيف كان يقرأ أمثال العرب فلا يفهم من قولهم: (أن ترد الماء بماء أكيس) إلا أن ذلك أحزم، فلما خرجوا من القاع وأقبلوا على ماء الهزيم الذي طالما وصفوه لهم وحببوه إليهم، وجده بئرًا منتنة خبيثة، تقتل من يشمها، فكيف بمن يشرب منها: فعلم أن معنى أكيس: أنك لا تشرب ماء خبيثًا فتمرض!
فلما وردوا ماء الفجر، بعد مسيرة يومين من الشعب لم تسر السيارة فيها كيلين متتابعيين على أرض كالأرض، ولكنها كانت تعلو صخرة، أو تهبط حفرة، أو تغوص في رملة، لما وردوا الماء وجدوه جامًا، فعلم أن معنى أكيس: أنك تبقى بلا ماء فتموت.
ثم نظر فرأى الفجر قد انبثق، فأيقظ المؤذن، وكان قوي الحنجرة حسن الصوت، فأذن فزلزل البادية بـ"الله أكبر"فلما قال"أشهد أن محمدًا رسول الله"، لم يتمالك صاحبنا نفسه أن تضطرب وقلبه أن يخفق، وعينه أن تدمع:
هذا آخر يوم من أيام البادية، ولم يبق بيننا وبين المدينة إلا نصف مرحلة، فهل يكتب لنا أن ندخل من باب السلام ونقوم أمام الحجرة ونسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!!
مضت ساعة كاملة، ونحن نعالج السيارة لنخرجها من الرمل، نرفعها طورًا بالآلة الرافعة، وطورًا بأيدينا، ونزيح الرمال من طريقها، ثم نمد لها ألواح الخشب لتمشي عليها، نجرها بالحبال، وندفعها بالأيدي حتى إذا سال منا العرق، ونال منا التعب مشت على الألواح، حتى إذا وصلت إلى نهايتها، عادت فغاصت في الرمل إلى الأبواب...
فأيسنا وبلغ منا الجهد، وهدنا الجوع والتعب والحر والعطش، فألقينا بأنفسها على الرمل صامتين مطرقين حيارى قانطين.
وتلفت فلم أر إلا الرمال المحرقة، وتمتد إلى حيث لا يدرك البصر، متشابهة المناظر، متماثلة المشاهد..