ويجد القاع بعد أن تقوضت الخيام، وطويت البسط، وضاع المكان الذي سواه لنومه، وأعده لجلوسه.
أقوى وأقفر من نعم وغيره
هوج الرياح بهابى التراب موار
ويطول به الوقوف، وأصحابه يستحثونه، والسيارات (تصرخ) مستعجلة، فيمشي وهو يفكر في هذا القاع، هل يحفظ هذه الذكريات؟ ويسأل هذا القاع: هل يذكر أبدًا هذه الليلة التي قضاها فيه، والعواطف التي استودعه إياها؟ فلا يسمع مجيبًا، ولا يجد إلا أحجار الموقد، وإلا هذا التمام الضيق اللين، الذي جمعوا منه فأوقدوا به النار، واتخذوه فراشًا، فنشد قوله النابغة:
وقفت فيها سراة اليوم أسألها
عن آل نعم أمونًا عبر أسفار
فاستعجمت دار نعم ما تكلمنا
والدار لو كلمتنا ذات أخبار
فما وجدت بها شيءًا ألوذ به
إلا التمام وإلا موقد النار
وتعدو به السيارة عدو الظليم، وهؤلاء عما حوله، يتمثل الشاعر وقد يمم الديار، فلم يجد بها سائلًا ولا مجيبًا:
ناديت: أين أحبتي؟
فأجبت: أين أحبتي؟!
فبرح به الشوق، واشتعلت في صدره النار، وكواه الهجر، فذهب يذكر نعمًا، وقد كان يسايرها حتى ينأى بها عن الحى، ثم يجلسان حتى تغيب الشمس، ويلقهما الظلام برداء الأمن من الرقباء، ويسبغ عليهما نعمة الحب، فلا يكون بينهما إلا كل خير: يبثها حبة، فتشكو له حبها، ويكشف لها عن قلبه، فتكشف له عن قلبها، ولا يخفي عنها شيئًا ولا تكتمه شيئًا:
وقد أراني ونعما لاهيين بها
والدهر والعيش لم يهمم بإصرار
ايام تخبرني نعم، وأخبرها
ما أكتم الناس من حاجي وأسراري
وجعل يذكر كيف فهم في تلك الساعة قصيدة النابغة، ونفذ إلى روحها، وقد كان يتلوها، ويدرسها، ويشرحها، فلا يفهم منها إلا كلماتها وجملها، وعروضها وإعرابها؛ وجعل يذكر ما حفظ من أشعار الديار، فيبصر فيه جمالًا لم يبصره من قبل، فيعلم أنه قد كان منه في ليل مظلم، لا يرى فيه إلا سوادًا فطلعت تلك الساعة بدرًا، أراه أن وراء الظلام دنيا واسعة، وفتنة وجمالًا، وروضة وأنهارًا...