لأن الصحراء منبسطة مستوية متكشفة، ظاهرها كباطنها، وليس فيها سقوف ولا جدران، ولا مغارات ولا سراديت، وكذلك نفس المربي ما في قلبه على لسانه، فإن عاداك فعداوة الشريف، يستقبلك بالشر، ولا يستدبرك به؛ ويحمل إليك الموت على شفرة السيف، لا يقدمه في كأس من الذهب، قد خلط فيها السم بالدسم؛ وإن صافاك آخاك، فإخوة الشريف يفديك بنفسه وماله، ولا يرغب عنك حتى ترغب عنه، وإذا أنت أنكرت من العرب جفاء في الطبع، أو خشونة في المقال، فلن تنكر منهم عوض تلونا ولا تملقًا، ولا تنكر منهم لين الحية ولا لطف المستعمر... على أن الجفاء ليس من شأن العرب، ولا هو في جميعهم، وإن فيهم للطفًا، وإن فيهم لظرفًا، وإن لهم لأحلامًا..
وطفق يذكر كيف كان يتبرم بهذه الأشعار التي تندب الديار وتبكي الأطلال، ويستثقلها ويراها كأنها الدمى فيها جمال وليس فيها روح؛ فلما كانت أول ليلة قضاها وأصحابه في البادية، وحط الركب في قاع الدغيلة، فوقفت السيارات الخمس، ووضعت الأحمال، ونصبت الخيام، وأوقدت النيران، ورفعت القدور، وبسطت البسط، ومدت الفرش، وكمل المجلس حتى قام المذياع (الراديو) يسمعهم بين الشيخ والقيصوم، أغاني عبدالوهاب وأم كلثوم.
فباتوا بأنعم ليلة حتى بدا صبح تلوح كالأغر الأشقر
فنادى منادي الرحيل؛ فما هي حتى طويت الخيام، ولفت البسط، وشدت الأحمال، فإذا كل شيء كأنه حلم، أو كأنه صفحة طويت، ولم يبق إلا الئوى المهدم، وإلا موقد النار، فامتلأت نفسه حزنًا، وانطلق لسانه يترجم عن أصدق عاطفة، وأعمق شعور، بكلمة النابغة التي استثقلها، وعدها من القول المعاد، والكلام الفارغ:
عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار..
وانطلق يقف إخوانه لحظة، يحيى فيها هذه البقعة التي ترك فيها ليلة من حياته، وطائفة من ذكرياته، وقطعة من نفسه؛ ثم عاد فسخر منها كيف يقفون على أحجار قد سودتها النار، وحفرة حفروها من حول الخيمة خشية الأمطار...
ماذا تحيون من نؤى وأحجار؟