وكانت تلك صبيحة اليوم السابع عشر من أيام البادية، فطفق يذكر هذه الأيام، وينظر ما أفاده فيها، فإذا هو قد عرف من خبر العرب، في سبعة عشر يومًا، ما لم يعرفه في سبع عشرة سنة، يقرأ فيها أسفار العرب، ويتلو أشعار العرب، ويدرس لغة العرب، وتاريخ العرب، وإذا هو قد سافر ألفًا وثلثمائة سنة في الزمان، لا ألفًا وثلاثمائة كيل على الأرض؛ وسلك الطريق التي سلكها الغزاة الأولون، فعلم أن سر قوة العربي الأول الذي عمل ما لم تعمله الجن، ولا تقوى عليه المردة، حتى بنى للحضارة هذا الصرح العظيم، فأوت إليه، وتفيأت ظلاله، وإن سر عجز العربي الأخير، حتى نام عن هذا الصرح، وأباح العدو حماه، إنما هو (بعد الإسلام) هذه الصحراء.
هذه الصحراء التي لا يعيش فيها الجبان العاجز؛ لأن الحياة فيها بين عيني السد، لا ينالها إلا شجاع مقدام، أخو غمرات، صبار على النكبات، ضحاك في الملمات، وإلا أين الشمس، صديق الرمال، حليف الجوع والعطش، ذو إرادة لا تنثنى، وهمة لا تطاول، وعزمية لا تفل.
ولا يعيش فيها المريض؛ لأنها لم تخلق مستشفى للمرضى، ولكنها خلقت ميدانًا للأبطال، وأنى يأتي البدوي المريض، ما دام لا يؤتى من قبل معدته (والمعدة بيت الداء) ، وما دام كل طعامه التمر والسمن واللحم والأقط، وكل شرابه اللبن والماء، فإذا مرض يشرب قارورة من شعاع الشمس، وشمس الصحراء أنفع من مجموع صيدليات باريس!
فإذا لم تجده نفعًا، أجداه الكي، وما بعد الكي إلا حياة كاملة أو موت كامل، هو خير على حال من حياة ناقصة، وقديمًا قالوا آخر الطب الكي!
ولا يعيش فيها الفقير؛ لأن أهلها كلهم أغنياء، وهل الغنى إلا أن تنال كل ما تطلب؟ وهل يطلب البدوي إلا ماء له وكلأ لمواشيه؟ فإذا أمحلت الدار أم غيرها:
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى
وفيها لمن خاف القلى متحول
ولا يعيش فيها المنافق المتملق الخداع، الذي يلبس جلد الحمل على اجلد الذئب..