وكان القوم قد هبوا فأقبلوا يضعون الشاي والقهوة، وجلست حيال صخرة أكتب هذه الكلمة"الرسالة"، لأبعث بها مع جندي من البدو إلى بريد العلا... ولست أدري أتخرج من هذه البادية فنقرؤها، أم تبتلعنا هذه الصحراء التي ابتلعت دولًا وأمما وجيوشًا.
وسيقرأ هذا الفصل قراء"الرسالة"وهم في دورهم ومساكنهم، ولا يدرون ما الصحراء، ولا يعرفون إلا ذكرها في الكتب ووصفها في الأشعار، فيحسبونها تسلية أو خيالًا، وما هي بالتسلية ولا بالخيال، ولكنه مقام بين الموت والحياة..
اللهم سلم!
أفاق سحرًا- ولا يبدو السحر على أتمه إلا في البادية، فلا ليل في الجلال كليلها، ولا صبح في الجمال كصبحها، ولا نهار في الشدة كنهارها - فجلس ينظر إلى هذه الصحراء التي تمتد من حوله، يغيب أولها في بياض الفجر المقبل، وآخرها في سواد الليل المدبر، وهي ساكنة سكون الموت، واسعة سعة السماء، فأحس في نفسه بشيء لم يحس به قط؛ فقال: لا إله إلا الله! فخرجت من أعماق قلبه...
وأي امرئ تلقيه الأيام في البادية، فيرى ليلها ونهارها، وشمسها ورمالها، ثم لا يكون أشد الناس بالله إيمانًا، وعليه اتكالًا؟ وهو يرى أبدًا من جلال المخلوق ما يخشع منه قلبه لجلال الخالق، وهو يعلم أنه ليس بينه وبين أن يموت عطشًا، أو يهلك جوعًا، إلا أن يحيد عن طريقه ذراعًا، أو ينحرف عن وجهته شبرًا، وكيف يكفر بالذي لا يرجو النجاة إلا منه، ولا قوة إلا به، وليس له من يدعوه إلا إياه؟