وأما الضرب الثاني: فالقياس والاستدلال .
ويلحق بكل واحد منهما وجوه ، إما باتفاق ، وإما باختلاف ؛ فيلحق بالضرب الأول الإجماع على أي وجه قيل به . ومذهب الصحابي ، وشرع من قبلنا ؛ لأن ذلك كله وما في معناه راجع إلى التعبد بأمر منقول صِرف لا نظر فيه لأحد .
ويلحق بالضرب الثاني الاستحسان ، والمصالح المرسلة ، إن قلنا إنها راجعة إلى أمر نظري ؛ وقد ترجع إلى الضرب الأول إن شهدنا أنها راجعة إلى العمومات المعنوية...
ثم نقول: إن الأدلة في أصلها محصورة في الضرب الأول ، لأنا لم نثبت الضرب الثاني بالعقل ، وإنما أثبتناه بالأول ، إذ منه قامت أدلة صحة الاعتماد عليه ، وإذا كان كذلك فالأول هو العمدة ، وقد صار إذ ذاك الضربُ الأول مستندَ الأحكام التكليفية من جهتين:
-إحداهما: جهة دلالته على الأحكام الجزئية الفرعية .
-والأخرى: جهة دلالته على القواعد التي تستند إليها الأحكام الجزئية الفرعية .
فالأولى: كدلالته على أحكام الطهارة ، والصلاة ، والزكاة ، والحج ، والجهاد ، والصيد ، والذبائح ، والبيوع ، والحدود ، وأشباه ذلك .
والثانية: كدلالته على أن الإجماع حجة ، وعلى أن القياس حجة ، وأن قول الصحابي حجة ، وشرع من قبلنا حجة ، وما كان نحو ذلك » [1] .
لقد قرر العلامة الشاطبي أن الأدلة في أصلها محصورة فيما يرجع إلى النقل ، لأنها تستند إليه ، فبه يستدل على صحتها وحجيتها .
إن هذا المعنى الذي قرره العلامة الشاطبي في انحصار الأدلة ، هو نفس ما قرره قبله العلامة القرافي في"الفرق السادس عشر بين قاعدة أدلة مشروعية الأحكام وبين قاعدة أدلة وقوع الأحكام"قال رحمه الله: « فأدلة مشروعية الأحكام محصورة شرعا تتوقف على الشارع ، وهي نحو العشرين ؛ وأدلة وقوع الأحكام هي الأدلة الدالة على وقوع الأحكام ، أي وقوع أسبابها ، وحصول شروطها ، وانتفاء موانعها.
(1) - الموافقات 3/227-228.