إن أصول الفقه كما ورثناها عبر أجيال ، وُضِعت تحت تأثير ظروفٍ مغايرة للظروف التي نحياها ، ولتلبية حاجات محدودة ، انفعالًا بطابع التحفظ ، والخوف الشديد على مصير الدين ، وفي نطاق علمي ضيق حيث كانت وسائل الاتصال بالعالم الخارجي بدائية بطيئة ، والتبادل بين الأمم في مختلف المجالات قليلًا نسبيا ، وهي بالتالي أصول لم تعد قادرة على حل المعضلات الطارئة في مجال المعاملات المدنية والتجارية والسياسية والإدارية... سواء داخل حدود الدولة أو خارجها » [1] .
لقد قامت سوق هذه الدعوة - بما لها من البريق الخلاب ، واللمعان المبهر- فصارت منهجًا لباحثين ، بل ومسلكًًا لمجلات حملت لواء الدعوة إليها ، فهذه مجلة المسلم المعاصر يصفها مؤسسها في عددها الافتتاحي بأنها: « تنطلق من ضرورة الاجتهاد ، وتتخذه طريقا فكريًا ، ولا تكتفي في البحث في ضرورة فتح باب الاجتهاد في فروع الفقه ، بل تتعداه إلى بحوث الاجتهاد في أصول الفقه » [2]
استناد القواعد الأصولية إلى الشرع
إن أول ما وقع فيه هؤلاء المجددون أنهم لم يتفطنوا إلى أن الأدلة الشرعية - وإن كان بعضها يرجع إلى الاجتهاد والرأي - لابد لها مِنْ مُستنَدٍ مِنَ الشرع تستند إليه ، ذلك لأن الاجتهاد فيها لم يُبْن على نظر محض ، ولم يُؤسس على رأي صِرف ، يقول العلامة الشاطبي في تقرير ذلك: « الأدلة الشرعية ضربان:
-أحدهما: ما يرجع إلى النقل المحض .
-والثاني: ما يرجع إلى الرأي المحض .
وهذه القسمة هي بالنسبة إلى أصول الأدلة ، وإلا فكل واحد من الضربين مفتقر إلى الآخر ، لأن الاستدلال بالمنقولات لابد فيه من النظر ؛ كما أن الرأي لا يعتبر شرعا إلا إذا استند إلى النقل .
فأما الضرب الأول: فالكتاب والسنة .
(1) - الاجتهاد في الفقه الإسلامي، ضوابطه ومستقبله، لعبد السلام السليماني ص: 389-390.
(2) - مجلة المسلم المعاصر ، العدد الأول/شوال 1974م ، د. جمال عطية .