أكثرت من النقول ، بحيث لا تكاد تخلو صفحة من نقل ، مع شدة الحرص على نسبة تلك الأقوال إلى قائليها ، وعزوها إلى مظانها ، وإيضاح وجه الفائدة منها ، ومناقشة صاحبها إن وجد الداعي لذلك بمقدار ما يتضح موضوع الدراسة .
بذلت أقصى ما استطعت من جهد لإيضاح معاني هذه الرسالة ، وقد كانت هذه الغاية وراء بعض التكرار زيادة في البيان ، كل ذلك مراعاة لخفاء مدارك مسائلها على كثير من أبناء الزمان ، ولا ريب أن خفاء الأمر من موجبات إيضاحه ، وقد لا يتحصل الإيضاح إلا بزيادة بسط وتكرار ، وانظر إلى قول العلامة صديق حسن خان (1307هـ) في بيان ما ينبغي أن يكون عليه التأليف: » وينبغي أن يكون مسوقا على حسب إدراك أهل الزمان ، وبمقتضى ما تدعوهم إليه الحاجة ، فمتى كانت الخواطر ثاقبة ، والأفهام للمراد من الكتب متناولة ، قام الاختصار لها مقام الإكثار ، وأغنت بالتلويح عن التصريح ؛ وإلا فلا بد من كشف وبيان ، وإيضاح وبرهان ينبه الذاهل ويوقظ الغافل « [1] .
الاستدلال لما أذكره من التأصيل ، وذلك إما بالنقل عن العلماء ، وإما بما يفضي إليه التأمل الصحيح المؤسس على قواعد علمية منضبطة ، ولهذا فإنه لا يخلو من جدة ، أسأل الله صوابها ، وأبرأ إليه من خطئها .
وبعد فهذا جهد المقل ، لا أبرئه من نقص ، ولا أحاشيه من خطأ ، فإن الكمال لله تعالى ، والعصمة لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ، ولله ذر القائل:
وإن تجد عيبًا فسُدَّ الخللا ( فجَلَّ من لا عيب فيه وعلا [2]
ورجائي ممن اطلع عليه أن ينظر إليه بعين الإنصاف والموادعة ، لا بعين الاعتساف والمنازعة ، فإني ما قصدت به الشقاق والمجادلة ، ولا إظهار الغلبة والمماحلة .
والله أسأل أن يكسوه حلل القبول ، وأن يمن علي ببلوغ منتهى السول إنه قريب مجيب ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
(1) - أبجد العلوم 1/189.
(2) - ملحة الإعراب لأبي محمد القاسم الحريري ، ص: 48.