إذًا فمعرفة الباري جل وعلا بصفاته والتي منها الصفات المقتضية لإرسال الرسل ، وإنزال الكتب كصفتي عدله ورحمته ونحوهما [1] ؛ ومعرفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما يثبت صدقه في تبليغه عن ربه جل وعلا ، هما الأساس في إثبات أن القرآن والسنة وحي ينبغي قبول شهادتهما للأدلة بأنها حجة ، يقول العلامة الحسن اليوسي في استمداد علم الأصول من أصول الدين: « وأما من الثالث: فلأن ثبوت الكتاب موقوف على ثبوت صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، الموقوف على ثبوت الألوهية ، المبين في علم الكلام..» [2] .
(1) - انظر مدارج السالكين لابن القيم 1/14 وما بعدها.
(2) - القانون في أحكام العلم وأحكام العالم وأحكام المتعلم ص: 218..قوله"المبين في علم الكلام"، إنما هو باعتبار ما تضمنته مباحثه من إثبات الباري جل وعلا، ونبوة النبي صلى الله عليه وسلم، والمتأمل يجد أن هذين المطلبين ليسا قصرًا على كتب علم الكلام، بل يوجدان في كتب الاعتقاد السالمة من بدع المتكلمين على أحسن وجه،بل إن إثبات الباري تعالى أمر فطرت عليه= =النفوس البشرية، وإثبات النبوة نصب عليه الله جل وعلا من الآيات الواضحة والبراهين الساطعة ما يتجاوز الاستدلال بالمعجزة التي اقتصر عليها المتكلمون، ومن أعطى النظر حقه يجد أن الشافعي الذي ابتدأ تدوين علم الأصول كان من أشد الناس تحذيرًا من علم الكلام ، فهل أسس شيئًا من تأصيله عليه ؟ غير أنه لا يلزم من نص بعض أهل العلم على استمداد أصول الفقه من علم الكلام ، ارتضاؤه علم الكلام منهجا في العقيدة مادام يقصد ذلك المعنى الصحيح الذي قررناه للاستمداد ، ومن أمثال هؤلاء العلامة الشوكاني في إرشاد الفحول حيث قال:"وأما استمداده فمن ثلاثة أشياء: الأول: علم الكلام ؛ لتوقف الأدلة الشرعية على معرفة الباري سبحانه ، وصدق المبلغ ، وهما مبينان فيه، مقررة أدلتهما في مباحثه ..." (1/48) ، فقد ألف رحمه الله رسالته"التحف في مذاهب السلف"داعيًا إلى الاقتصار على ما كان عليه السلف . نعم الأولى استعمال عبارة العلامة ابن النجار من أن أصول الفقه مستمد من أصول الدين ، فإنها أبعد عن كل التباس .