فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 63

إن معرفة وقوع هذه الأسباب وما يماثلها من الأحكام الوضعية الأخرى لا تتوقف على نصب من جهة الشارع ، ولا يمكن أن تنحصر لحدوثها شيئا فشيئا ، زمنا بعد زمن ، ولا يعني هذا خلوها من حكم الشارع ، وذلك لعموم الشريعة ، وشمولها لكل ما يقع ، وإنما المقصود بيان أن معرفتها على جهة التفصيل ليست شرطا في العلم ، ولا في الاجتهاد ، إذ الإحاطة بما لا يتناهى ليست باستطاعة البشر ، بل هي من صفات كمال الله جل وعلا الذي أحاط علمه بكل شيء ، ما كان منه وما سيكون ؛ نعم لا يجوز الحكم على الواقعة إلا بعد تصورها ، وتصورها يمكن أن يحصل بالخبر كما يحصل بالحس ؛ فكان ماذا لو جهل العالِم بعض الأمور الواقعة ؟ ومَنْ مِنَ الناس لا يخلو من الجهل ببعض الواقع ؟

علاقة استمداد الأصول بانحصار الأدلة

لقد قام العلماء قديمًا بالتأصيل لمسألة توقف الأدلة على الشرع ، فتنبهوا لضرورة استحضار ما تبنى عليه تلك الأدلة ضمن مبحث الاستمداد ، وجعلوا أصول الدين مما تستمد منه قواعد الأصول وأدلة الأحكام ، وذلك لأنها قواعد تنتسب إلى الملة الإسلامية ، ولهذا يسمي بعض العلماء العلومَ المشتملة عليها علومًا ملية أو شرعية أو دينية .

ولبيان وجه ارتباط مبحث الاستمداد بانحصار الأدلة ، لابد أولًا من تصوره ، وتصور صلته بالأدلة ، إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره .

يقول العلامة ابن النجار الحنبلي: « ويستمد علم أصول الفقه من ثلاثة أشياء: من أصول الدين ، ومن العربية ، ومن تصور الأحكام . ووجه الحصر الاستقراء .

وأيضا: فالتوقف إما أن يكون من جهة ثبوت حجية الأدلة ، فهو أصول الدين . وإما أن يكون التوقف من جهة دلالة الألفاظ على الأحكام فهو العربية بأنواعها . وإما أن يكون التوقف من جهة تصور ما يُدَلُّ به عليه ، فهو تصور الأحكام » [1] .

(1) - شرح الكوكبي المنير 1/48-49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت