فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 63

فلا يستدل على وقوع أسباب الحكم بالأدلة الشرعية ، كما لا يستدل على شرعيته بالأدلة الحسية ؛ فكون الشيء مترددا بين السلامة والعطب ، وكونه مما يُجهل عاقبته وتطوى مغبته أو ليس كذلك يعلم بالحس أو العادة لا يتوقف على الشرع ، ومن استدل على ذلك بالشرع فهو كمن استدل على أن هذا الشراب مسكر بالشرع ، وهذا ممتنع بل دليل إسكاره الحس ، ودليل تحريمه الشرع .

فتأمل هذه الفائدة ونفعها ، ولهذه القاعدة عبارة أخرى وهي أن دليل سببية الوصف غير دليل ثبوته ، فيستدل على سببيته بالشرع ، وعلى ثبوته بالحس أو العقل أو العادة ، فهذا شيء وذلك شيء » [1] .

إن المتأمل في هذا المثال يتضح له الفرق بجلاء بين دليل مشروعية الحكم وبين دليل وقوع الحكم ، فبيع المغيب في الأرض كالجزر مثلًا إذا قال مانع من صحة البيع إن فيه غررا ، فقوله هذا مركب من ثلاث مقدمات: 1- الجزر مغيب في الأرض ، 2- ما كان مغيبًا فهو غرر ، 3- ما كان غررا فبيعه لا يصح .

يقال لهذا المانع ينبغي أن تفرق بين جعل الغرر مانعا من صحة البيع ، إذ مانعية هذا المانع لا تثبت إلا من جهة الشرع ، وبين كون بيع الجزر المغيب في الأرض غررًا لأن هذا الأخير لا يتوقف ثبوته على الشرع ، وإنما يتوقف على الوقوع الذي يرجع فيه إلى أهل الخبرة الذين يقبل خبرهم ، أو إلى الحس أو العقل أو العادة ، ومثل ذلك مثل شراب معين هل هو مسكر أم لا ؟ فإنه لا يستدل على إسكاره أو عدم إسكاره بالشرع ، وإنما بدليل حسي يرجع فيه إلى تجربة معملية ، نعم إذا ثبت أنه مسكر فإنه يستدل بعد ذلك على تحريمه بالشرع .

(1) - بدائع الفوائد 4/13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت