الهيئة، مستقبلا أفضل الجهات، ملازما للسكينة والوقار، تاركا للعبث والنفار، فإن كان النصراني لا يدرك الفرق بين هاتين الشريعتين ولا بين الهيئتين، فهو معذور، لأنه قد فسد مزاج دماغه بروائح العذرات، وعمي قلبه بملابسة القاذورات في المطعومات والمشروبات، حتى إنهم يقولون: ليس ثمة نجاسة البتة، وبمثل هذا وأقل منه تعذر الناس في فساد عقولهم.
وسادسها: أن هذه الشريعة أمرت باستقبال أفضل الجهات وهو البيت الحرام، لأنه أفضل من بيت المقدس لأمور: منها أنه أقدم بناء منه بأربعين سنة، والتقدم دليل الفضل.
ومنها: أن جميع الأنبياء آدم فمن دونه حجه بخلاف البيت المقدس وجميع الشرائع إنما أمرت بالتوجه في الصلاة إلى البيت المقدس.
سابعها: أن الله تعالى جوز في شريعة موسى عليه السلام أن يتزوج الرجل من شاء من النساء، فراعى مصلحة الرجال دون النساء، فإنهن يتضررن بالغيرة، والإهمال إذا كثرن، وحجر في شريعة عيسى عليه السلام على ما زاد على المرأة الواحدة، فراعى مصلحة النساء دون الرجال لأنهم يتضررون بالاقتصار على الواحدة، فقد لا تلايم، فيكون في حيز العدم، وفي شريعتنا جمع بين مصالح الفريقين فجعل للرجل أربعة نسوة، فلا ضرر عليه، ولم يكثر ضرر المرأة بأكثر من ثلاث، فكانت شريعتنا أتم، واليهود اليوم لا يزيدون على الأربع تشبها بالمسلمين.
وثامنها: أن جميع الشرائع إنما يؤذن لهم في الصلاة في البيع، وشريعتنا وردت بالصلاة في كل موضع طاهر في جميع أقطار الأرض، ومعلوم أن الصلاة فيها تعظيم الله تعالى والإنسان قد يتعذر عليه البيعة لكونه في البرية والسفر، أو يتيسر له لكن تفتر عزيمته قبل وصوله إليها، فتكون الصلاة وتعظيم الله تعالى بها في غاية القلة، وفي هذه الشريعة جميع الأرض مسجد، فيكون تعظيم الله تعالى وإجلاله في غاية الكثرة، فتكون هذه الشريعة أفضل الشرائع، وهو المطلوب.
وتاسعها: أن جميع الشرائع لم تحل فيها الغنائم لأحد بل تقدم للنيران فتحرقها، وأحلت الغنائم في هذه الشريعة، ومعلوم بالضرورة أن صون المالية عن الضياع والاستعانة على الدين والدنيا بها واقع في نظر الحكمة، وأتم في مراعاة المصلحة، فتكون هذه الشريعة أفضل الشرائع، وهو المطلوب.
وعاشرها: أنا لا نعلم في شريعة من الشرائع إلا إعلاما بالأوقات المعينات للصلوات بشيء يشتمل على مصلحة غير الإعلام، فاليهود يعلنون بالبوق، والنصارى بضرب خشبة على خشبة، أو نوع آخر من الجمادات يسمونه الناقوس، وغير هاتين الملتين تعلم بالنيران، ومعلوم أن هذه الأمور لا تحصل إلا مصلحة الإعلام، وشرع في هذه الشريعة وحدها الأذان، فحصل الإعلام، ومصلحة أفضل، وهي الثناء على الملك العلام وتجديد كلمة الإيمان، وتفخيم قدر رسول الملك الديان، والحض على