فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 21

مع أن موسى عليه السلام لم يبعث إلا لبني إسرائيل، ولما أخذهم من مصر وعبر البحر لم يعد لمصر، ولا وعظ أهلها، ولا عرج عليهم، ولو كان رسولا إليهم لما أهملهم، بل إنما جاء لفرعون ليسلم له بني إسرائيل فقط، فلما انقضى هذا الغرض أهملهم ولم يعد لمصر البتة، وإذا كان هذا حديث موسى عليه السلام، فغيره أولى، وقد أخبرنا سيد المرسلين بذلك، ولا شك أن المصالح إذا عمت كانت أكمل، وهو المطلوب.

وثالثها: أن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس فتكون شرائعها أفضل الشرائع، أما أنها أفضل فلقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ، ولأنها صنفت من العلوم ما لم يصنف في ملة من الملل، حتى أن العالم الواحد منهم يصنف ألف كتاب في المجلدات العديدة في العلوم المتباينة، ولعله لا يوجد في شريعة الإسرائيليين كلهم من النصارى واليهود من التصانيف مثل هذا العدد، فيكون العالم منا قدر شريعتهم بجملتها، وكم فيها من عالم، ولأن العلوم القديمة كلها إنما تحررت فيها من الحساب والهندسة والطب، والهيئة، والمنطق، وغير ذلك وكل هذا حاصل لها، وجددت هي علوما لم تكن لغيرها من النحو واللغة، والعربية البديعة، وبسط وجوه الإعراب الذي صنفت فيه الدواوين العظيمة، وعلوم الحديث على اختلاف أنواعها، وعلوم القرآن العظيم على سعتها، وعلوم العروض والشعر والنظم، وغير ذلك من العلوم الخاصة بها، وهم أولى بعلوم غيرها لتلخيصها وإظهار بهجتها، وإزالة فاسدها عن صحيحها، وبسطها بعد قبضها عند غيرها، فصار علم الوجود منحصرا فيها أولا وآخرا، فتكون أفضل، ولأن ما وهبه الله تعالى لهم من وجودة العقول، وقوة الإدراك، وتيسير ضبط العلم، لم يحصل لغيرها مضافا لقوة الحفظ وجودة الضبط الذي لم ينقل عن أمة من الأمم، وهو دليل كثرة علومها، ولولا ذلك لم تكثر العلوم فيها ولها، وأما أنها إذ كانت أفضل الأمم تكون شريعتنا أفضل الشرائع، فلأنها إنما نالت ذلك ببركة شريعتها، واتباع نبيها عليه السلام، ومتى كانت الثمرة أفضل كان المثمر أفضل.

ورابعها: أن الله تعالى جعل عبادة الأمة في هذه الشريعة على نسق الملائكة عليهم السلام، تسوية بين الملائكة وهذه الأمة في صفة العبادة فكل الأمم يصلون همجا من غير ترتيب إلا هذه الأمة تصلي صفوفا كما تصلي الملائكة: {وإنا لنحن الصآفون * وإنا لنحن المسبحون *} والشريعة المشتملة على أحوال الملائكة أفضل من غيرها، فشريعتها أفضل الشرائع.

وخامسها: أن سائر الأمم أمرت بتطهير الباطن عن الرذائل والأخلاق الشيطانية فقط، وهذه الأمة أمروا بذلك وزيد لها وحدها الأمر بتطهير الظاهر بالوضوء والغسل، واجتناب النجاسات، والقاذورات، فيقف الراهب يناجي ربه ويتمثل بين يديه لخطابه والعذرة قد تحجرت على سوءته، والقاذورات قد غلبت على أطرافه وسحنته، حتى لو وقف ذلك الراهب قدام شيخ ضيعته لمقتته، وقبح حالته، فكيف بملك الملوك رب الأرباب؟ وأمر المسلم إذا ناجى ربه أن يكون نقي الباطن نظيف الظاهر، وحسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت