وقالت ينبغي أن يكون عندنا ما يطيب به الاجتماع وتقر به عيوننا ففرح وقال الساعة آتيك بكل ما تريدين وما تشتهين.
وخرج وتركها في الدار، وظن أنه أغلق عليها الباب، ومضى وأتى بما يصلح لهما ورجع ودخل الدار فوجدها قد خرجت وذهبت ولم يجد لها أثر.
فهام الرجل بها وذهبت بلبه فأكثر الذكر لها والحزن والجزع عليها وجعل يمضي في الطرق ويقول:
يا رُبَّ قائلةٍ يَوْمًا وقد تَعِبَتْ ... أيْنَ الطَّرِيقُ إلى حمام مَنْجَابِ
ومر من عند بيتها وهو ينشد هذا البيت وإذا بها تجاوبه من داخل دارها وتقول بصوت سمعه:
هَلا جَعَلْتَ سَرِيْعًا إذْ ظَفِرْتَ بِهَا
إنْ يَنْفَذَ الرِّزْقُ فالرَّزَاقُ يَخْلِفُهُ ... حِرْزًا عَلَى الدارِ أَوْ قُفْلًا عَلى البابِ
والعِرْضُ مِنْ أيْنَ يَا مَغْرُوْرُ يُنْجَابُ
فلما سمع ذلك جعل يردد ذلك ومات.
وقيل لآخر فل لا إله إلا الله فجعل يهذي بالغناء وقال وما ينفعني ما تقول ولم أدع معصية إلا ركبتها ثم مات.
وقيل لآخر قل لا إله إلا الله فقال وما يغني عني وما أعلم أني صليت لله صلاةً ثم مات ولم يقلها.
وقيل لآخر قل لا إله إلا الله فقال هو كافرٌ بما تقول ومات.
وقيل لآخر قل لا إله إلا الله فقال كلما أردت أن أقولها فلساني يمسك عنها.
وقال ابن القيم رحمه الله أخبرني من حضر بعض الشحاذين عند الموت فجعل يقول لله فليس، لله فليس فمات.
وأخبرني أحد التجار عن قريبٍ له احتضر وهو عنده فجعلوا يلقنونه (لا إله إلا الله) وهو يقول هذه القطعة رخيصة هذا مشتري جيد.
وسبحان الله كم شاهد الناس من هذا عبرا والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم.
وإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قد تمكن منه الشيطان واستعمله بما يريده من المعاصي.
وقد أغفل قلبه عن ذكر الله تعالى وعطل لسانه عن ذكره وجوارحه عن طاعته فكيف الظن به عند سقوط قواه واشتغال قلبه بما هو في من ألم النزع.