الصفحة 25 من 169

وقال رحمه الله فانظر رحمك الله كيف تقر عين عاقل في هذه الدار وكيف يستقر به فيها قرار مع هذه الحال وتوقع هذا المآل واشتغال هذا الخاطر وتقسيم هذا البال.

كلا لا حلول له ولا قرار ولا ربع ولا دار ولا قلب إلا مستطار، ولا نوم ينامه إلا غرار حتى يدري أين مسقط رأسه ومحط رحله وموضع رجله، وما المورد والمنهل وفي أي المحال يحل وفي أي المنازل ينزل:

وكَيْفَ تَنَاَمُ العَيْن وهي قَرِيْرَةٌ ... ولَمْ تَدْرِ في أيِّ المَكَانَينِ تَنْزِلُ

لكن حجاب الغفلة الذي غطى القلوب كثيف فلا يرى ما وراءه والوقر الذي في الآذان عظيم فلا يسمع من ناصح دعاءه.

روى في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبشٌ أملح فيوقف بين الجنة والنار."

فيقال يا أهل الجنة هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت فيذبح ثم يقال يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت ويا أهل النار خلودٌ فلا موت، ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم: { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } .

فانظر رحمنا الله وإياك إلى عظيم هذه الغفل وكثافة حجابها وكيف منعت من النظر في هذا الحديث والفكرة فيه والعمل بمقتضاه.

شعرًا:

حاسِبِ النَّفْسَ قَبْلَ يومِ الحِسَاب

وأَصِبْهَا مِن الأَسَى بِشِوَاظٍ

وإِذَا مَا بَكَيْتَ يَوْمًا بِدَمْعٍ

وحَذَارِ حَذَارِ أن تَتَهَنَّا

أوْ مَنَام تَنَامُ باللَّيْلِ حَتَّى ... وأَذِقْهَا العَذَابَ قَبْلَ العَذَابْ

يُنْضِجُ اللَّحْمَ قَبْلَ نَضْجِ الإِهَابْ

فَبِدَمْعٍ مِن الفُؤآدِ مُشَابْ

بَطَعامٍ تَنَالُهُ أوْ شَرَابْ

تَسَتَبِيْنَ المآل يَوْمَ المآبْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت