وقيل يا ابن آدم الأقلام تجري وأنت في غفلة لا تدري، يا ابن آدم دع المغاني والأوطان والمنازل والديار، والتنافس في هذه الدار، حتى ترى ما فعلت في أمرك الأقدار، وقد بكى أولو الألباب على هذا فأكثروا واسهروا من أجله الليالي الطويلة وأسهروا وحاول عاذلوهم كفهم عما هم فيه فلم يقدروا وكلموهم في الاقصار فلم يقصروا ولم يسمعوا ولم يبصروا.
وذلك للعلم الذي لاح لهم والتأييد الذي شملهم والتوفيق الذي قطع عنهم ما صدهم عن طريق الله عز وجل وشغلهم وربما هبت عليهم نفحات الرجاء فاستبشروا وسكنوا من ذلك الهيجان وفتروا.
ثم ذكروا ما هم معرضون له فعادوا لما كانوا عليه من الاجتهاد، وربما زادوا عليه وأكثروا، ومع هذا فإنهم لشدة خوفهم من الله وكثرة جزعهم يظنون كل إشارة إنما يشار بها إليهم.
كما روي أن عمر - رضي الله عنه - سمع قارئًا يقرأ: { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ } قال هذا قسم حق فظن أن العذاب قد وقع به فغشي عليه.
وسمع آخر قارئا يقرأ: { خُذُوهُ فَغُلُّوهُ } أو آية نحوها فغشى عليه.
ومر آخر على رجل يبيع الخيار، ويقول عشرة بدانق"الدانق سدس درهم"فغشي عليه فلما أفاق قيل له مم غشي عليك. فقال أو ما سمعته يقول الخيار العشرة بدانق، وإذا كانت قيمة الخيار هذه فكم تكون قيمتي وقيمة أمثالي"."
ظن المسكين أن المراد خيار الناس وأفاضلهم فانظر إلى هذا المسكين لم يلق باله إلى أنه الخيار المأكول وذلك لشدة خوفه وسوء ظنه بنفسه.
وختامًا فاسلك على منهاج هؤلاء العقلاء، والتمس على آثار هؤلاء الفضلاء، وأدم حسرتك، وأطل زفرتك، وامزج بدم الفؤاد عبرتك، وصل البكاء بالبكاء، والأسى بالأسى حتى تنكشف لك هذه الغشاوة وتنجلي عنك هذه العماية.
بكى سفيان الثوري ليلة إلى الصباح فقيل له أبكاؤك هذا على الذنوب فأخذ تبنة من الأرض وقال الذنوب أهون من هذه إنما أبكي خوف سوء الخاتمة"لأنها الأمر الذي يبكي عليه، ويصرف الاهتمام له."