الصفحة 15 من 169

فلبى المنادي، وأجاب الداعي، وشمر لتلافي ما فات، والنظر فيما هو آت، وتأهب لهجوم هادت اللذات، ومفرق الجماعات، واستعد لحلول الشتات والانتقال إلى محلة الأموات.

ومع هذا فهو يكره أن يشهد وقائعه أو يرى طلائعه وليس يكره الموت لذاته ولا لأنه هادم للذاته، ولكنه يخاف أن يقطعه عن الاستعداد ليوم المعاد، والاكتساب ليوم الحساب.

ويكره أن تطوى صحيفة عمله قبل بلوغ أمله، وأن يبادر بأجله قبل إصلاح خلله، وتدارك ذلله، فهو يريد البقاء في هذه الدار لقضاء هذه الأوطار والإقامة بهذه المحلة بسبب هذه العلة.

شعرًا:

أهْون بِدَارِكم الدُنْيَا وأهْلِيْهَا

اللهُ يَعْلَمُ أني لَسْتُ أَعْشقُهَا

لَكِنْ تَمَرَّغْتُ في أدْنَاسِهَا حُقُبًا

أيامَ أسْحَبُ ذَيْلي في مَلاعِبِهَا

وكم تَحَمَّلْتُ فيها غَيْرَ مُكْتَرِثٍ

فَقُلْتُ أبْقَى لَعَلِّي أهْدِمُ مَا

ومِنْ وَرَاءه عِقَابٌ لَسْتُ أقْطَعُهَا

يا وَيْلَتِيْ وَبِحَارُ العَفو زَاخِرةٌ ... واضرِبْ بِهَا صَفَحاتٍ مِنَ مُحِبْيِهَا

وَلا أرِيْدُ بَقَاءً سَاعَةً فِيْهَا

وبِتُّ أنْشُرُهَا حِيْنًا وأطْوِيْهَا

جَهْلًا وأهْدِمُ مِن دِيْني وأبْنِيْهَا

مِن شَامِخَاتِ ذُنوب لَسْتُ أحْصِيُهَا

بَنَيْتُ مِنْهَا وأدْنَاسِيْ أُنَقِيْهَا

حَتَّى أُخَفِّفَ أَحْمَالِيً وألْقِيْهَا

إنْ لَمْ تُصِبْنِيْ بِرشٍ في تَثَنِّيْهَا

هذل لله دره يرجى له المغفرة من الله والسرور والحبور لتوبيخه نفسه واستعظامه لذنوبه ورجائه المغفرة.

وقال ابن السمالك إن الموتى لم يبكوا من الموت ولكنهم يبكون من حسرة الفوات فاتتهم والله دارٌ لم يتزودوا منها، ودخلوا دارًا لم يتزودوا لها.

فأية ساعةٍ مرت على من مضى وأية ساعةٍ بقيت علينا والله إن المتفكر في هذا لجدير أن يترك الأوطان، ويهجر الخلان، ويدع ما عز وما هان.

وقال إبراهيم النخعي كانوا يشهدون الجنازة فيرى فيهم ذلك أيامًا كأن فيهم الفكرة في الموت، وفي حال الميت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت