الصفحة 14 من 169

فَيَنْقُصُ مِن أطْماعِهِ ويَزِيْدُ

وتَفْعَلُ تُدْنِي الشيءَ وهْوَ بَعْيدُ

فَرَاحَ بها المَغْرُوْرُ وهْوَ حَصِيْدُ

وعَادَ حَدِيْثًا يَقْضِيْ وَيَبِيْدُ

ولا طَلَعَتْ فيه عَلَيْه سُعُوْدُ

فَلَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهُ عنه مَحِيْدُ

اللهم وفقنا لصالح الأعمال، ونجنا من جميع الأهوال، وأمنا من الفزع الأكبر يوم الرجف والزلزال، واغفر لنا ولوالدينا، ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمدٍ وآله وصحبه أجمعين.

(فصل)

واعلموا رحمكم الله أن الناس في ذكر الموت على أقسام فمنهم المنهمك في لذاته المثابر على شهواته، المضيع فيها ما لا يرجع من أوقاته، لا يخطر الموت له على بال، ولا يحدث نفسه بزوال، واتخذ إلهه هواه، فأصمه وأعماه وأهلكه وأرداه.

فإن ذكر له الموت نفر وشرد، وإن وعظ أنف وبعد، وقام في أمره الأول وقعد، قد حاد عن سواء نهجه، ونكب عن الطريق الصحيح، وأقبل على بطنه وفرجه، تبت يداه وخاب مسعاه.

وكأنه لم يسمع قول الله جل جلاله: { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ } وقوله تعالى: { قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ } .

وهذا وأمثاله إن ذكر له الموت تصامم عن ذكره كأن لم يسمع ولم يمكنه من فكره رجاء أن يبلغ ما أمل أو يدرك بعض ما تخيل فعمره ينقص، وحرصه يزيد، وجسمه يخلق ويضعف، وأمله جديد، وحتفه قريب.

يحرص حرص مقيم ويسير إلى الآخرة سير مجد كأن الدنيا عنده حق اليقين والآخرة ظن من الظنون.

أَتَحْرِصُ يَا ابْنَ آدَمَ حِرْصَ باقٍ

وتَعْمَلُ طُوْلَ دَهْرِكَ في ظُنُونٍ ... وأنْتَ تَسِيْرُ وَيْحَكَ كُلَّ حِيْنِ

وأنْتَ مِن المنُونِ على يَقِيْنِ

وقسم آخر وقليل ما هم من أزيل عن عينيه قذاها، وكشف عن بصيرته عماها، وعرضت عليه الحقيقة فرآها، وأبصر نفسه وهواها، فزجرها ونهاها وأبغضها وقلاها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت