الصفحة 13 من 169

واعلم رحمك الله أن مما يعينك على الفكرة في الموت ويفرغك له ويكثر اشتغال فكرك به تذكر من مضى من إخوانك وخلانك وأصحابك وأقرانك وزملائك وأساتذتك ومشايختك الذين مضوا قبلك وتقدموا أمامك.

كانوا يحرصون حرصك ويسعون سعيك، ويأملون أملك، ويعملون في هذه الدنيا عملك وقصت المنون أعناقهم وقصمت ظهورهم وأصلابهم، وفجعت فيهم أهليهم وأحباءهم وأقرباءهم وجيرانهم فأصبحوا آية للمتوسمين وعبرة للمعتبرين.

ويتذكر أيضا ما كانوا عليه من الاعتناء بالملابس ونضافتها ونضرة بشرتهم، وما كانوا يسحبونه من أردية الشباب وأنهم كانوا في نعيم يتقلبون، وعلى الأسرة يتكئون، وبما شاؤا من محابهم يتنعمون.

وفي أمانيهم يقومون ويقعدون، لا يفكرون بالزوال، ولا يهمون بانتقال، ولا يخطر الموت لهم على بال، قد خدعتهم الدنيا بزخارفها، وخلبتهم وخدعتهم برونقها، وحدثتهم بأحاديثها الكاذبة، ووعدتهم بمواعيدها المخلفة الغرارة.

فلم تزل تقرب لهم بعيدًا، وترفع لهم مشيدها، وتلبسهم غضها وجديدها، حتى إذا تمكنت منهم علائقها، وتحكمت فيهم رواشقها، وتكشفت لهم حقائقها، ورمقتهم المنية روامقها.

فوثبت عليهم وثبة الحنق وأغصتهم غصة الشرق، وقتلتهم قتلة المختنق، فكم عليهم من عيونٍ باكية، ودموعٍ جارية، وخدودٍ دامية، وقلوبٍ من الفرح والسرور لفقدهم خالية. وأنشدوا في هذا المعنى:

ورَيَّانَ مِن مَاء الشَّبَابِ إذا مَشَى

تعَلَّقَ مِن دُنْيَاهُ إذْ عَرَضَتْ لَهْ

فأصْبَحَ منها في حَصِيْدٍ وقائِم

خَلا بالأمانِي واسْتَطَابَ حَدِيْثَها

وأدْنَتْ لَهُ الأشَيَاءَ وَهْيَ بَعَيْدةُ

أُتِيْحَتْ لَهُ مِن جَانِب الموتِ رَمْيَةٌ

وصَارَ هَشِيْمًا بَعدَمَا كانَ يانِعًا

كأَنْ لَمْ يَنَلْ يَوْمًا مَن الدَّهْرِ لَذَّةً

تَبَارَكَ مَن يُجْرِيْ عَلى الخَلْقِ حُكْمَهُ ... يَمِيْدُ عَلَى حُكْم الصِّبَا ويَمِيْدُ

خَلُوبًا لأَلْبابِ الرجال تَصِيْدُ

ولِلْمَرْءِ منها قائمٌ وحَصِيْدُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت