فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 178

لقد وضحنا أنه بالإمكان في حالات نادرة وجود قطيعة بين الفكر الواعي والنشاط الاجتماعي للكاتب من جهة وبين الدلالة والأهمية الموضوعية لأعماله من جهة أخرى. فليس هناك ما هو أقل مأسوية في الظاهر على الأقل من حياة (كانت) أو (راسين) . وليس هناك ما هو أكثر بعدًا عن الرؤية العمالية في العالم من (بيكاسو) ...

هذه الرؤية يستتبعها الفكر موضوعيًا. ومن المسلم به أن العناصر الأصلية للتفكير الجدلي توجد في أعمال المناضلين الكبار والكتاب الكبار لكن ذلك مجرد تخمين، ولو أن الأحداث كثيرًا ما أكدته، فإنه ليس قابلًا للتصديق، وليس على الأخص ضروريّ الوقوع.

من جهة ثانية يبدو لنا أن العمل اليومي بكل ما يستتبعه من غنى وتعقيد يمكنه أو يكون في بعض الحالات غير مساعد على التخطيطية المفهومية والتجريبية التي تفترضها كل منهجة فلسفية، ولربما يكمن هنا الطابع الجزئي، أو المجزأ الذي تمثله الكتابات الفلسفية والقوة الإبداعية والثقافة العميقة للكتاب المبدعين المؤثرين، وقد يكون الوضع مختلفًا بالنسبة للفنان الذي يمكن لإبداعه على مستوى الإحساس أن يأخذ مجراه بغير الاتصال المباشر أو المكثف مع الواقع الذي ينصب عليه مثلًا. وبالإمكان أن نسرد أمثلة توضح مكان حدوث العكس.

وليكن العمل الأدبي الكبير مثلًا المستوحى من الفلاحين الذي كتبه (تولستوي) في الشطر الأول من حياته، أو شعر التمرد عند (بودلير) . لكن يتحتم التأكيد أن العمل الأدبي نفسه هو بالنسبة للفنان وخاصة بالنسبة للمفكر ليس مجرد فعل بل هو أيضًا أكثر الأفعال فعالية من بين ما يستطيع فعله.

من بين هذه الفترات التي نعيش فيها قد لا تكون الشروط لصراع الطبقات مشجعة وملائمة للتعبير الفني، وهذه الملاحظة الأخيرة تقودنا إلى مسألة معقدة وهي مشكلة المبدع. إن كلًا من هاتين الوضعيتين تظهر في فترات تاريخية مختلفة، وكأنها أفضل وضعية مُسعفة للإبداع الأدبي والفلسفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت