ولقد تأكد القول في أن الأدب يعبر عن طريقة ما في الإحساس بالكون والنظر إليه، وخلال فترات الممارسة الجماعية الكبيرة عندما تتوافر وحدة عضوية وحيّة بين المنظمات والطبقات الاجتماعية التي تمثلها حيث يستطيع المبدع عامة أن يعبر في إطار المنظمات عن رؤية تعكس الطبقة الفعلية الجماعية. لكن في فترات الجمود أو التقهقر عندما تصبح المنظمة تنظيمًا مستقلًا ذاتيًا وعندما تصبح علاقتها مع الطبقة الاجتماعية لا تتم إلا من خلال مجموعة من الوساطات المعقدة - فإن الإبداع يغدو صعبًا، وكثيرًا ما يصبح الكاتب الحر هو أكثر قدرة من الكاتب المرتبط على إبراز الجمال.
في العصور الأولى للحكم المسيحي كانت الكنيسة هي التي شيدت الكاتدرائيات، ووظيفتها تحتم التوجه إلى الهرطقات، وما يمثل بدعًا في نظر الكنيسة هو كل من يستمع إلى صوت الفكر! والمعطيات نفسها تجدها عند بعض الفلاسفة، ذلك أنه ظهر عند أول وهلة أن المنهجة المفهومية في غير حاجة إلى اتصال مباشر مع الواقع، وأن بالإمكان أن تستمر في إنجاز عملها داخل المنظمة حتى عندما تفقد هذه الأخيرة الاتصال الواقعي والحي مع جمهرة الأوفياء!.. في الحقيقة لا يوجد فكر فلسفي أو منهجة مفهومية، إلا حيث تستطيع المنظمة أن تحتضن الكلية الاجتماعية، فضائيًا وزمانيًا، لكن المنظمة البيروقراطية تكون جد قريبة من اليومي، وتكون آفاقها جد مباشرة فلا يتيح لها الاعتقاد مع الرؤية الكلية التي يفترضها الفكر الفلسفي الحق أو الأدب الحق.
... ... نجيب محفوظ
"ثرثرة فوق النيل"لـ"نجيب محفوظ" [1]
معنى الزمن والمصير والموت والعدم
(1) * نجيب محفوظ:"ثرثرة فوق النيل- رواية"القاهرة، دار مصر للطباعة، مكتبة مصر.