إن معنى الموت يجبه أنيسًا، ويقف أمامه كسؤال الاسفنكس الخالد في قصة أوديب المعروفة (7) ، وعم عبده يمثل الوجه الآخر من الصورة، فهو ببساطة - فقد كل شيء ونسي كل شيء (8) "هذه هي أزمة الإنسان المعاصر، كل مكاسبه تضيع في دوامة الصراع، المهدد في كل لحظة بانتهاء إلى لا شيء. والعوامة بالفناء في كل لحظة"ويبدو"الاطمئنان"في هيكله الذي يناطح رأس العوامة أولًا، وتلقائيته الوجودية النفسية في الحياة ثانيًا، إنه مطمئن لوجوده لأنه لا يحس بالوحدة، أما مشكلة الموت فإنها ظل أنيس الذي يؤرقه في انسطاله وإفاقته، والشعور القاسي العنيف في إدراكه بأنه سيموت وحيدًا كما يعيش وحيدًا، ولا يربطه بأصحابه إلا الموت، وأن آلاف العوالم تنطفئ فيه، والعدم حتمية شاملة ما كان الإنسان كائنًا من كان أن يفلت منها. وفي الفصل السابع عشر، نجد أن نوعًا من (المطاردة) .. مطاردة العجوز تغلف إحساس أنيس اللاواعي، ويقول له مداعبًا"تطاردني يا عجوز"إن أنيسًا يخاف من الناس خوفه من إخفاقه الذي يلاحقه أبدًا في تفكيره، وتأملاته، لذلك نراه يسأل عم عبده سؤالًا يفيض مرارة، وضياعًا، بطريقة جد موحية، حيث جعل نجيب صيغة السؤال تواجه عم عبده في"ماذا تصنع لو طردتك من العوامة؟"فيجيبه وهو يضحك"جميع الناس يحبون عم عبده". إن"طردتك"هذه تتعلق علاقة غير مباشرة بـ"طرده"هو من الأرشيف، والعذاب القاسي الذي يشب لظى في أحشائه من جريرة ذلك إنه يخاف من حياته خوفه من موته في هذه اللحظة، ولا يدري ماذا يعمل ببطالته ولكن"جميع الناس يحبون عم عبده"وهل الناس يفعلون ذلك أو فعلوا الشيء نفسه إلى"أنيس؟!"فيسأله"أتحب الدنيا يا عجوز؟"وبالطبع تكون الإجابة متناقضة تمامًا، لما يحس ويفكر به أنيس"أتحب كل ما خلق الرحمن"، وأنيس أبغض كل ما خلق الرحمن، لأنه فقد كل ما يصله بالرحمن، لأنه فقد حتى حبه لنفسه، إنه في غربة عن ذاته، ومجتمعه، وكونه.