فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 27

ويدعم أبو موسى الحريري هذه المقارنة برؤية تاريخية، توظّف ما ورد في النص القرآني من إشارات إلى النصارى وتعقد مقارنة بين عقائد الإبيونيين وما يروى عن ورقة بن نوفل ليُبَيِّنَ تطابقًا يدعم به فرضية وجود الإبيونيين في الجزيرة العربية وفي مكة بالذات، ربما هاجروا إليها بعد خراب هيكل أورشليم، فأقاموا فيها وأذاعوا منها ثقافتهم الدينية، التي وجدت آذانًا صاغيةً وقلوبًا واعيةً، بلورت النص القرآني، وبذلك تطعمت المقارنة ببعد تاريخي، صيرها دليلا قويًّا على التأثير والتأثر (1) .

ويقول الأب لويس شيخو في معرض حديثه عن النصرانية في الحجاز: (( والظاهر أن بعض تلك البدع المعروفة بالبدع اليهودية النصرانية(Sectes Judeo-Chretiennes) شاعت خصوصا في نواحي العرب كشيع الناصريين (Nazarenes) والإبيونيين (Ebionites) والكسائيين (Elekesaites) (2) ، يلمح بذلك إلى أن النصرانية المؤثرة في الحيز المحمدي والنص القرآني هي البدع النصرانية المندثرة، كالناصرية، والكسائيين التي قدمت تفسيرًا خاصًّا للأناجيل لا يفترق كثيرا عن النصرانية الإبيونية في كل ما يتعلق باللاهوت والمسيحيات. لقد كانتا قريبتين إلى عصر النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- مقارنة مع البدعة الإبيونية التي بادت منذ زمن بعيد، وباد معها احتمال تناصّ القرآن معها ونسبته إليها؛ لأنه لا يمكِّن محمدًا صلى الله عليه وسلم، ولا مَن هو في عصره أن يكون مطَّلعًا على نصوصها وعقائدها (3) .

(1) المصدر السابق، ويؤكد الفكرة نفسها الأب لويس شيخو، النصرانية في جزيرة العرب، ج1، ص111-112.

(2) المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت