(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ(35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40) سورة ص
قال القرطبي في الجامع (15/133) : يقال كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا مع ذمها من الله تعالى وبغضه لها وحقارتها لديه؟ فالجواب: أن ذلك محمول عند العلماء على أداء حقوق الله تعالى وسياسة ملكه، وترتيب منازل خلقه وإقامة حدوده، والمحافظة على رسومه، وتعظيم شعائره، وظهور عبادته، ولزوم طاعته، ونظم قانون الحكم النافذ عليهم منه، وتحقيق الوعود في أنه يعلم ما لا يعلم أحد من خلقه، حسب ما صرح بذلك لملائكته ( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) وحاشا سليمان أن يكون سؤاله طلبا لنفس الدنيا، لأنه هو والأنبياء أزهد خلق الله فيها، وإنما سأل مملكتها لله كما سأل نوح دمارها وهلاكها لله، فكانا محمودين مجابين إلى ذلك فأجيب نوح فاهلك من عليها وأعطى سليمان المملكة.
قال ابن كثير: هذا كله من جملة ما هيأ الله وسخر له من الأشياء التي هي من تمام الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، ولم يكن أيضا لمن كان قبله.
(وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنْ الْجِنِّ وَالإنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ(17) سورة النمل، ومعنى قوله ( فَهُمْ يُوزَعُونَ ) أي تحبس أوائلهم وتمنع من السير حتى يلحقهم أواخرهم فيكونون مجتمعين لا يتخلف منهم أحد، وذلك للكثرة العظيمة من الوزع وهو الكف والمنع يقال وزعه عن الظلم وزعًا ـ كوضعه وضعًا ـ أي كفه عنه فاتزع أي فانكف.