قال النووي في شرح مسلم: توصل سليمان بطريق الحيلة والملاطفة الى معرفة باطن القضية فأوهمهما أنه يريد قطعه ليعرف من يشق عليها قطعه فتكون هي أمه، فلما أرادت الكبرى قطعه عرف أنها ليست أمه، فلما قالت الصغرى ما قالت عرف أنها أمه ولم يكن مراده أنه يقطعه حقيقة وإنما أراد اختبار شفقتهما فتتميز له الأم فلما تميزت بما ذكرت عرفها.
قال العلماء: ومثل هذا يفعله الحكام ليتوصلوا به الى حقيقة الصواب، فإن قيل كيف حكم سليمان بعد حكم داود في القصة الواحدة ونقض حكمه والمجتهد لا ينقض حكم المجتهد، فالجواب من أوجه:
1/ أن يكون ذلك فتوى من داود لا حكمًا.
2/ لعله كان في حكمهم فسخ الحكم إذا رفعه الخصم الى حاكم آخر يرى خلافه.
3/ أن سليمان فعل ذلك حيلة الى إظهار الحق وظهور الصدق، فلما أقرت به الكبرى عمل باقرارها وان كان بعد الحكم، كما إذا اعترف المحكوم له بعد الحكم أن الحق هنا لخصمه. قال الداودي فيما نقله ابن حجر في الفتح: إنما كان منهما على سبيل المشاورة فوضح لداود صحة رأي سليمان فقضاه. لذا فان ما قاله سليمان كان أرجح ولهذا أثنى الله عليه بما ألهمه اياه ومدح بعد ذلك اياه فقال: ( وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ) .
قلت: وكلاهما عليهما السلام كانا مجتهدين في المسألة، فقد روى الشيخان وغيرهما عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) ولما ذهب الجمهور في أن جميع الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون عن الخطأ أو الغلط في اجتهادهم، فالجواب أن سليمان عليه السلام لم يتعرض لحكم أبيه بالنقض انما احتال حيلة لطيفة ظهر له بسببها صدق الصغرى والله أعلم.
قال الحسن: لولا هذه الآية لرأيت القضاة هلكوا، ولكنه تعالى أثنى على سليمان بصوابه وعذر داود باجتهاده.