فالذوات الفاضلة وأضدادها بينهما كثير تفاوت فبين ذات موسى عليه السلام وذات فرعون من التفاوت أعظم من المسك والرجيع، وهناك أيضا كثير تفاوت بين نفس الكعبة وبيت السلطان فكيف تجعل البقعتان سواء في الحقيقة والتفضيل باعتبار ما يقع هناك من العبادات والأذكار والدعوات.
والله سبحانه وتعالى لا يخصص شيئا ولا يفضله ويرجحه إلا لمعنى يقتضي تخصيصه وتفضيله، نعم هو يعطي ذلك المرجح وواهبه فهو الذي خلقه ثم اختاره بعد خلقه.
لذا فبعض البقاع أفضل من بعض فيما فضلها الله سبحانه وتعالى فمكة والمدينة والأرض المقدسة ( بلاد الشام ) بقاع أفضل من غيرها من البقاع فمكة فيها من الفضائل ما ليس في غيرها (1) .
والمدينة فيها أيضًا من الفضائل ما ليس في غيرها، وكذا بلاد الشام وبقاع المساجد عامة أفضل من غيرها، فالمساجد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أحب البلاد الى الله وهي خير البقاع (2) .
والمسجد الحرام أفضل بقاع الأرض على الإطلاق ولذلك كان شد الرحال اليه فرضا وللمسجد النبوي والأقصى مما يستحب ولا يجب. فالمساجد كلها سواء فيما شرع من العبادات إلا ما خص به المسجد الحرام كالطواف، واستلام الحجر، ومضاعفة الصلاة فيه، واستقبال الناس له في الصلاة.
(1) عن عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف على راحلته بالحزورة من مكة يقول: ( والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت) . رواه أحمد (4/305) ، والدارمي (2398) ، والترمذي (3921) ، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (3108) وصححه ابن حبان (1025) .
(2) أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعا: (أحب البلاد الى الله مساجدها وأبغض البلاد الى الله أسواقها) . وأخرج الطبراني والحاكم من حديث ابن عمر بسند صحيح: (أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي البقاع خير؟ وأي البقاع شر؟ قال: خير البقاع المساجد وشر البقاع الأسواق) .