فما كان من هذه البقاع لم يعظِّموه ولم يقصدوا تخصيصه بصلاة، أو دعاء، أو نحو ذلك؛ لم يكن لنا أن نخالفهم في ذلك، وإن كان بعض من جاء بعدهم من أهل الفضل والدين فعل ذلك؛ لأن اتباع سبيلهم أولى من اتباع سبيل من خالف سبيلهم وما من أحد نقل عنه ما يخالف سبيلهم وقد نقل عن غيره ممن هو أعلم منه وأفضل أنه خالف سبيل هذا المخالف. وهذه جملة جامعة لا يتسع هذا الموضع لتفصيلها.
وقد ثبت في الصحيح ان النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى بيت المقدس ليلة الاسراء صلى فيه ركعتين ولم يصل بمكان غيره أو زاره، وحديث المعراج فيه ما هو في الصحيح، وما هو في السنن، أو في المسانيد، وفيه ما هو ضعيف، وفيه ما هو من الموضوعات المختلقات مثل ما يرويه بعضهم فيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له جبرائيل: هذا قبر أبيك إبراهيم، انزل فصل فيه، وهذا بيت لحم، مولد أخيك عيسى انزل فصل فيه) (1) .
(1) قلت: هذا أول حديث ذكره أبو المعالي في كتابه"فضائل بيت المقدس، والخليل، وفضائل الشام"تحت عنوان: فضائل الخليل، (رقم: 548 ـ المطبوع) ونصه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لما أسري بي إلى بيت المقدس، مرَّ بي جبريل إلى قبر إبراهيم الخليل فقال: انزل صل ها هنا ركعتين، فإن هاهنا قبر أبيك إبراهيم عليه السلام".
وفي إسناده بكر بن زياد الباهلي، قال ابن حبان في"المجروحين"، ونقله الذهبي في"ميزان الاعتدال": دجال يضع الحديث، ثم ساق عنه، عن ابن المبارك، عن سعيد، عن قتادة، عن زرارة، عن أبي هريرة، مرفوعًا: مر بي جبريل ببيت لحم، فقال: انزل فصل ههنا ركعتين، فإن هنا ولد أخوك عيسى، ثم أتى بي قبر إبراهيم، فقال: صل هنا، ثم أتى بي الصخرة، فقال: من هنا عرج ربك إلى السماء..الحديث. وهذا شيء لا يشك عوام أصحاب الحديث أنه موضوع، فكيف البُزَّل في هذا الشأن.