والمسجد الأقصى خصوصًا، وأرض الشام عمومًا (الأرض المقدسة) محل لدعوات رسل الله، فكانت دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم للتوحيد، وبهذه الدعوة وعلى هذا المنهج الحق كان ولده إسحاق صلى الله عليه وسلم، ومن وراءه يعقوب صلى الله عليه وسلم، وهي ـ أي الأرض ـ محل عظام يوسف صلى الله عليه وسلم (1) ، وسار إليها موسى صلى الله عليه وسلم فاتحًا لولا خذلان قومه، فسأل الله عز وجل أن يدنيه منها رمية بحجر، وأنه من قارب الشيء يعطى حكمه، وتولى يوشع صلى الله عليه وسلم فتى موسى صلى الله عليه وسلم قيادة الجيل الرباني الجديد، وخرج فيهم من التيه فاتحًا بيت المقدس، فكانت نواميس الكون مسخرة لهذا النبي الفاتح بإذن الله تعالى، إذ لم تحبس الشمس لأحد إلا ليوشع بن نون ليالي سار بيت المقدس.
لذلك فبلاد الشام وعاصمتها بيت المقدس، حلبة صراع بين طائفتين من الناس: طائفة الحق، وطائفة الباطل، وكان النصر باستمرار حليف طائفة الحق، النصر بحجة اللسان تارة، والنصر بالسنان تارة أخرى، والله أكبر.
والمسجد الأقصى قبلة الأنبياء ومنارة الدعوة إلى توحيد الله عز وجل، فأتباع أنبياء بني إسرائيل (يعقوب صلى الله عليه وسلم) عاشوا يقيمون شرع الله، لكنهم في الوقت الذي كانوا يخالفون فيه أوامر الله تعالى، ويشركون في عبادة الله، كان الله يعاملهم بذنوبهم معاملة قاسية، يسلط عليهم الأعداء، لعلهم يرجعون، ومن رحمته لهم أنه كان يبعث فيهم الأنبياء يهدونهم إلى الحق ويرفعون عنهم المقت.
(1) كانوا يطلقون"العظام"ويريدون البدن كله، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، فيكون المعنى موافقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.