خامسًا: الرد على شبهة أن النبى / قد حلل النهب وما كان جهاده إلا من أجل الغنائم
إن السامع لهذه الشبهة من العوام سريعًا ما تتكون لديه فكرة عن المُتَحَدَثِ عنه بأنه قد جمع من مساوئ الأخلاق ما فاق به غيره من القسوة والحقد والدموية وحب الدنيا والاستئثار، وأنه لا بد أن يعيش حياة تتناسب مع ما يقاتل من أجله، وهو المال.
والرد على هذه الشبهة من وجهين:
الأول: بطلان إطلاق لفظ النهب على الغنائم وبيان أن الغنائم كانت في الأمم السابقة
فما يظفر به المجاهدون في الحرب غنيمة أحلها الله لهم، فالفرق بين الغنائم والنهب كالفرق بين البيع والربا، فكما أحل الله البيع وحرم الربا، فقد أحل الله عز وجل الغنائم للمجاهدين منذ الأديان السماوية السابقة وحرم النهب والسرقة وأكل أموال الناس بالباطل.
فلم ينفرد الإسلام وحده بأخذ الغنائم في الحروب، بل قد ورد ذلك في الشرائع السماوية السابقة، فقد ورد في العهد القديم في سفر التثنية: (واذا دفعها الرب الهك الى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف * واما النساء والاطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتاكل غنيمة اعدائك التى اعطاك الرب الهك) [1] ، وجاء أيضًا في سفر التكوين أنه من صفات بنيامين (في الصباح ياكل غنيمة وعند المساء يقسم نهبا) [2]
الثانى: أن حال النبى / ينافى التهمة التى يتهمه بها المبطلون بنهب أموال الناس، وأكلها بالباطل هو وأصحابه، وأن جهادهم ما كان إلا إبتغاء عرض الحياة الدنيا وزخرفها.
لكننا بتتبعنا لحياة هذا النبى الكريم نجدها تتنافي تماما مع هذه الفرية من أوجه:
أ. فلماذا يرفض النبى / ما عرضه عليه المشركون من المال والجاه حين جهر بدعوته للتوحيد بدلًا من أن يخوض المعارك والصعاب التى تودي به للهلاك، ولا يقبل المال المتحصل دون شقاء وعناء؟ ّ!.
ب. أَوَمَن كان حريصًا على الدنيا يأمر أصحابه أن يدعو لعبادة الله وحده ويزرع فيهم أن هداية الناس خير من حمر النعم، ويوضح لهم إثم من كان همه الدنيا قائلًا: (تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطي رضى، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع) [3] .
(1) سفر التثنية (13 - 14)
(2) سفر التكوين (49 - 27)
(3) أخرجه الإمام البخارى في صحيحه كتاب الجهاد والسير باب الحراسة في الغزو (2887)