[1] وأنه لا يجوز الهجرة من البلاد التى يُسْتَضعَفُ فيها المسلمين، ولا ريب أن هذا المسلك في فهم النصوص هو مسلك يسير في نفس الدرب الذى سلكه اليهود لفهمها، ألا وهو الأخذ ببعض النصوص دون بعض، فقد أخذوا بالدليل الذى يقول بنفى الهجرة دون فهم تأويله، وتركوا قول الله عز وجل منكرًا على من قَدِرَ على الهجرة ومكث بين أظهر المشركين واحتج بالاستضعاف: / إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ في الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا* إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سبيلًا/ [النساء (97 - 98) ] .
كما تركوا قول النبى / (لن تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار) [2] .
ومنهم من يرى اغتيال مخالفيه في وقت الضعف، فسلك طريقًا لم يسلكه خاتم المرسلين /، وكانوا ذريعة للطعن في الإسلام والمسلمين.
فلو كان الأمر كما قالوا أعداء الإسلام من أنه ليس إلا أناس يسعون لمتاع الدنيا، لوجدنا المسلمون يقاتلون منذ أول يوم للدعوة من أجل السلب والنهب المزعومين، ولَمَا صبروا طيلة ثلاث عشرة سنة في العهد المكي لإصلاح توحيدهم وعبادتهم، فليس الأمر كذلك، فقد مرت شريعة الجهاد في الإسلام بأربعة مراحل حتى استقرت على ما هى عليه رحمة بالعباد ومراعاة للمصالح ودرءًا للمفاسد.
2 -الإذن به
قال تعالى: / أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ / [الحج (39 - 40) ] .
أباح الله لعباده الجهاد بعد المنع لِمَا نالوه من أذي المشركين حينما أخرجوهم من ديارهم بغير حق وأخذوا أموالهم، فلما هاجروا إلى المدينة وحصل لهم منعة وقوة أذن لهم بالقتال، فلولا أن شرع الله عز وجل لهم القتال لتمكن أهل الباطل من أهل الإيمان فاستأصلوا شأفتهم كما كان يفعل بنو إسرائيل
(1) أخرجه الإمام البخارى في صحيحه كتاب الجهاد والسير باب فضل الجهاد والسير (2783) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
(2) أخرجه الإمام النسائي في سننه كتاب البيعة باب ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة (( 4173 وصححه الألبانى