الصفحة 30 من 316

المبحث الثانى: الحرب في الأديان السماوية

أولًا: التمهيد

لما كان الهدف من خَلْقِ الخَلْقِ هو توحيد الرحمن كما قال تعالى: /وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ/ [الذاريات (56) ] ، فإن الله عز وجل كان يهلك من القرون من لم يستجب لدعوة الرسل، قال تعالى: / كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ * إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ * وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ / (12 - 15) ] .

فقد أهلك الله عز وجل من كذب من قوم نوح عليه السلام كما في قوله تعالى: / فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ في الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قومًا عَمِينَ / [الأعراف (64) ] .

وها هو يهلك من كَذَّبَ نبى الله هود عليه السلام من قوم عاد كما في قوله تعالى: /فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ / [الأعراف (72) ] .

وأهلك أيضًا من كَذَّبَ نبى الله صالح عليه السلام من قوم ثمود، فقال سبحانه تعالى: / فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا في دَارِهِمْ جَاثِمِينَ/ [الأعراف (76 - 78) ] .

وأهلك أيضًا من كَذَّبَ نبى الله لوط عليه السلام من قومه الذين استحلوا الفاحشة وعتو عن أمر ربهم كما في قوله تعالى: / وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ/ [الأعراف (84) ] .

وأهلك أيضًا من كَذَّبَ نبى الله شعيب عليه السلام من قوم مدين كما في قوله تعالى: / فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا في دَارِهِمْ جَاثِمِينَ / [الأعراف (91) ] .

فها هو عذاب الله عز وجل يَنزِلُ على من حاد عن سبيله ومن سلك غير الطريق الذى خُلِقَ من أجله، فلا عجب أن تتنوع صور العقاب من رب العالمين على هؤلاء المخالفين، وأن يكون ذلك العقاب بواسطة عباده الموحدين عن طريق جهادهم والتصدى لهم كما أخبر الله عز وجل بذلك، قال تعالى: / قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ / [التوبة (14) ] .

هذا بالإضافة إلى أنه لما كان من مسالك الشيطان لمجاهدة أهل الإيمان أن يقاتلهم بالسيف والسنان، أرسل الله عز وجل رسله بالهدى والبينات، وشرع لهم شريعة الجهاد، حتى يستطيعوا الدفاع عما هم عليه من الحق، ودفعًا لعدوان وبغى أهل الباطل، ونشرًا للتوحيد، وجهاد من كفر وأشرك برب العبيد.

ثانيًا: بيان الجهاد في حياة الأنبياء وأتباعهم

1 -جهاد الرسل عامة

قال تعالى: / لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ/ [الحديد (25) ] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فمن عدل عن الكتاب قُوِّمَ بالحديد) [1] .

وقال ابن القيم رحمه الله: (بعثه الله تعالى - يعني النبى / -، بالكتاب الهادي، والسيف الناصر، بين يدي الساعة حتى يُعبَدُ سبحانه وحده لا شريك له، وجعل رزقه تحت ظل سيفه ورمحه .. فإن الله سبحانه أقام دين الإسلام بالحجة والبرهان، والسيف والسنان، كلاهما في نُصرَتِهِ أخوان شقيقان) [2] .

فلو كانت دين الله الحق الذى شرعه لعباده لصلاح دينهم ودنياهم لا ينتشر إلا باللسان وحده، ولا تقترن بسيف وسنان لحماية الحق وأهل الإيمان من أهل الإفك والبهتان وحماية الخلق من الطواغيت، لتمكن الباطل وأهله، ولفسدت الدنيا بتمكنهم منها، لكنه من رحمة الله بعباده أن شرع لهم ما يقوم به دينهم ودنياهم كما قال تعالى: / وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ / [البقرة (251) ] .

ولهذا السبب أرسل الله عز وجل أنبياءه لنشر عقيدة التوحيد، وانتشال الناس من الظلمات إلى النور، ومجاهدة الشرك والمشركين لإعلاء كلمتى الحق والدين، وفى ذلك يخبرنا رب العالمين عن الجهاد كان في حياة الأنبياء كافة بقوله عز وجل: / وَكَأَيِّنْ مِنْ نبى قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ/ [العمران (146) ] .

(1) مجموع الفتاوى (28/ 263)

(2) كتاب الفروسية لابن قيم الجوزية، (18)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت