وتنفيذا لأمر الله عز وجل فإننا نرى أن خير من دعا وجاهد في سبيل إعلاء كلمة الله هو خاتم الأنبياء والمرسلين محمد /، فقد شهد له ربه بأخلاقه السامية الرفيعة فقال: / وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ/ [القلم (4) ] ، وقال أيضًا: / لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ/ [التوبة (128) ] ، وقال أيضًا: / وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ/ [الانبياء (107) ] .
وقد شهد له أصحابه بِخُلُقِهِ المستمد من وحى السماء، فقالت السيدة عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها حينما سئلت عن خلقه: (كان خلقه القران) [1] .
وتابعه في ذلك أصحابه الغر الميامين الذين اصطفاهم له رب العالمين، فأمر الله عز وجل عباده بالسير على نهجهم وتوعد من خالف سبيلهم في قوله عز وجل: / وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا/ [النساء (115) ] .
ولما كان النبى / يوضح لأصحابه أهمية مكارم الأخلاق من دعوته قائلًا: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) [2] ، وكان يحثهم عليها قائلًا: (أقربكم منى منزلة يوم القيامة أحسنكم أخلاقا) [3] ، كان المجاهدون في عهد النبوة كانوا دعاة إلى الله، يؤثرون في الناس بسلوكهم إلى جانب دعوتهم، والتى هى ثمرة أخلاقهم المستمدة من دينهم، فلم يكن المقصود من جهادهم حمل الناس على الدين بسيوفهم، فقد كانوا خير دعاة لدين الله، علماء مجاهدون، علم وعمل، فألسنتهم مُسَخَرَةٌ للدعوة إلى الحق وهداية الخلق، وسيوفهم مظلة، تحمى أتباعه وتؤيد هذا الحق.
ولما كان الطعن في هذا الدين يسري في إتجاهين، أحدهما الطعن في نبى الإسلام والآخر الطعن في شرائعه والتشكيك فيها، فكان لزامًا على أهل العلم أن يردوا هذه المطاعن والشبهات على أهلها موضحين لهم الحق في هذه المزاعم.
فجاء هذا البحث بمحتواه لثلاثة أغراض:
-لتوضيح أخلاق الحرب في السيرة النبوية.
-لبيان شبهات من تَلَبَّسَ عليهم فقه الحرب والجهاد ممن ينتمون إلى الإسلام.
-للرد على مطاعن أعداء الإسلام حول فقه الحرب والجهاد وأخلاق المجاهدين.
(1) صحيح الجامع للألباني (4811)
(2) صحيح الجامع للألباني (2349) ، السلسلة الصحيحة برقم (45)
(3) صحيح الجامع (1573) ، صحيح الأدب المفرد رقم (206) ، وصحح إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (791)