فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 76

ومن هنا يتبين أن"التوكل"و"الاستعانة"و"الاعتصام"ألفاظ تحمل نفس المفهوم، وإن كان لفظ"التوكل"يميل إلى ناحية التفويض القلبي، ولفظ"الاستعانة"يميل إلى ناحية الحركة والسعي بدليل وجود عمل يطلب فيه العون، أما لفظ"الاعتصام"فيوحي بوجود شدة أو فزع يستوجب الاحتماء بمن يقوى على دفع الأذى.

كما يتبين لنا من ذلك أن التوكل عمل من أعمال القلب مستقل عن عمل الجوارح8، وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم-رحمه الله-:"فإن قلت: فما معنى التوكل والاستعانة قلت: هو حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله والإيمان بتفرده بالخلق والتدبير.. والضرر والنفع.. والعطاء والمنع.. وأنه ما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن وإن شاء الناس، فيوجب له هذا اعتمادًا عليه وتفويضًا إليه وطمأنينة به وثقة به ويقينًا بكفايته لما توكل عليه فيه، وأنه لا يكون إلا بمشيئته شاءه الناس أم أبوه"9.

ومن ثم فإن صلاح توكل العبد يتوقف على صلاح قلبه مثله في ذلك كمثل بقية أعمال القلوب من تنزيه وحمد وخوف ورجاء...وغيرها، وعلى قدر صلاح قلب العبد وتعلقه بربه يكون توكله"فمن الناس من حاله في حق الله الثقة بكفالته وعنايته كحاله في الثقة بالوكيل (وهذه أقل درجات التوكل) ، ومن الناس من يكون حاله مع الله كحال الطفل مع أمه، فإنه لا يعرف غيرها ولا يفزع إلى سواها ولا يعتمد إلا عليها، وإن نابه أمر كان أول خاطر يخطر على قلبه وأول سابق إلى لسانه: يا أماه! فمن كان تألهه إلى الله ونظره إليه واعتماده عليه كلف به 10 كما يكلف الصبي بأمه فيكون متوكلًا حقًا، ومن الناس من يكون بين يدي الله تعالى مثل الميت في يد الغاسل، لا يفارقه إلا أنه لا يرى نفسه ميتًا، وهذا يفارق حال الصبي مع أمه فإنه يفزع إلى أمه ويصيح ويتعلق بذيلها،وهذه الأحوال توجد في الخلق إلا أن الدوام يبعد ولا سيما المقام الثالث"11.

2-بين التوكل والتوحيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت