إن الله عز وجل حين أنزل إلينا هذا الدين القيم.. عَّلمنا أن له أصولًا، وأن لكل أصل فروعًا تتفرع عنه، وإن أعظم أصول هذا الدين على الإطلاق هو التوحيد.. فهو مدار الرسالات.. وهدفها الذي أُنزلت من أجل تحقيقه، والمتأمل في فروع هذا الأصل العظيم.. يجد أن أعظمها على الإطلاق هو التوكل.. فهو الدليل العملي الواقعي على رسوخ حقيقة التوحيد في قلب العبد.
ولكي نتبين هذه العلاقة القوية بين التوكل والتوحيد.. وأنه لا يتم للعبد كمال توحيده حتى يعيش قلبه معنى التوكل.. فلنطوِّف قليلًا في آفاق القرآن والسنة وأقوال الأئمة.
ففي فاتحة الكتاب.. نجد قول الله -عز وجل-:?إياك نعبد? أي: إياك وحدك نُفرد بالعبادة وهو التوحيد، ?وإياك نستعين? أي: لا نستعين إلا بك وهو من مقتضى التوحيد.
وكذلك حين نقرأ سورة"الزمر"تجدها تدور حول محور واحد وهو الإخلاص أو التوحيد 12.. وتجد ذلك في مطلعها إذ يقول الحق تبارك وتعالى:?إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصًا له الدين? ألا لله الدين الخالص? (الزمر:2-3) ثم تعرج الآيات على نفي الشريك فيقول سبحانه: ?والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كَفَّار? (الزمر:3) .
ثم تعرج بعد ذلك على نفي الولد.. فيقول سبحانه:?لو أراد الله أن يتخذ ولدًا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار? (الزمر:4) .
وتستمر الآيات في عرض هذه الحقيقة-حقيقة التوحيد- وإقامة الأدلة والبراهين عليها، حتى تطالعنا خواتيم السورة بخطاب مَهيب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يقول فيه تعالى:?قل: أفغير الله تأمرونِّي أعبد أيها الجاهلون?ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطنَّ عملك ولتكوننَّ من الخاسرين? بل الله فاعبد وكن من الشاكرين? (الزمر:64-66) .