فمن احتج بمثل قوله تعالى:?وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله? (يونس:100) نقول إن معنى الآية:"أن النفس لا تصل إلى الإيمان إلا إذا سارت وفق إذن الله وسنته في الوصول إليه.. من إعمال للعقل في آيات الله الكونية والقرآنية، وعندئذ يهديها الله، ويقع لها الإيمان بإذنه جزاء ما جاهدت فيه لتهتدي، ويدل على هذا المعنى بقية الآية:?ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون? فالذين عطلوا عقولهم عن التدبر..يجعل الرجس عليهم، والرجس أبشع الدنس الروحي، فهؤلاء ينالهم ذلك الرجس بسبب تعطيلهم لمداركهم عن التعقل والتدبر.. وانتهاؤهم بهذا إلى التكذيب والكفران"15.
وأما من احتج بمثل قوله تعالى:?ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا? (يونس:99) نقول: إن هذا يكون بسلب الاختيار منهم، أما وقد أعطاهم حق الاختيار فإن كلًا منهم مسئول عن اختياره، وإن كان في اختياره هذا -سواء اختار الإيمان أو الكفر- لم يخرج عن مشيئة الله لأنه هو الذي أعطاه حق الاختيار).
ثم يقرر هذه الحقيقة في صورة أخرى منتَزَعة من منطقهم هم أنفسهم، ومن واقع ما يقررونه من حقيقة الله في فطرتهم:?ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولُنَّ الله.. قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادنِيَ الله بضُر هل هُنَّ كاشفات ضُره.. أو أرادني الله برحمة هل هن ممسكات رحمته؟ قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون?.
لقد كانوا يقررون -حين يُسألون- أن الله هو خالق السموات والأرض، فهو يأخذهم ويأخذ العقلاء بهذه الحقيقة الفطرية الواضحة، إذا كان الله هو خالق السموات والأرض.. فهل يملك أحد أو شيء في هذه السموات والأرض أن يكشف ضرًا أراد الله أن يصيب به عبدًا من عباده؟! والجواب القاطع: أن لا، فإذا تقرر ذلك.. فما الذي يخشاه داعية إلى الله؟! وما الذي يرجوه؟! وليس أحد بكاشف الضر عنه.. وليس أحد بمانع الرحمة عنه؟! وما الذي يقلقه أو يخيفه أو يصده عن طريقه؟!