من معنى لفظه - صلى الله عليه وسلم -، جاز للراوي روايتُه على المعنى، وذلك نحو أن يبدل قوله (( قام ) )ب (( نهض ) )، و (( قال ) )ب (( تكلم ) )... وهذا القول هو الذي نختاره مع شرط آخر، وهو أن يكون سامعُ لفظ النبيّ عالمًا بموضوع ذلك اللفظ في اللسان، وبأن رسول اللّه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يريد به ما هو موضوع له )) [1] .
وقال الغزالي: (( نَقلُ الحديث بالمعنى دون اللفظ حرامٌ على الجاهل بمواقع الخطاب ودقائق الألفاظ ) ) [2] .
وقال ابن الصلاح متحدثًا عن راوي الحديث: (( إذا أراد رواية ما سمعه على معناه دون لفظه فإن لم يكن عالمًا عارفًا بالألفاظ ومقاصدها، خبيرًا بما يحيل معانيها، بصيرًا بمقادير التفاوت بينها ـ فلا خلاف أنه لا يجوز له ذلك، وعليه ألا يروي ما سمعه إلا على اللفظ الذي سمعه من غير تغيير ) ) [3] .
والرواية بالمعنى إنما تجوز عند هذا الفريق إذا كان المحدّث يروي الحديث ارتجالًا مما حفظ، وأما إذا كان يروي من صحيفة أو كتاب فليس له أن يفعل ذلك، وقد نصَّ على ذلك أبو عمرو بن الصلاح حيث قال بعد أن ذكر اختلاف العلماء في نقل الحديث بالمعنى: (( إن هذا الخلاف لا نراه جاريًا، ولا أجراه الناس ـ فيما نعلم ـ فيما تضمنته بطون الكتب، فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب مصنَّف، ويثبت بدله فيه لفظًا آخر بدّله بمعناه، فإنَّ الرواية بالمعنى رخَّص فيها من رخَّص؛ لِما كان عليهم في ضبط الألفاظ والجمود عليها من الحرج والنصَب، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب، ولأنه إن ملكَ تغيير
(1) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص 198 ـ 199، بيروت 1409هـ ـ 1988م.
(2) المستصفى من علم الأصول لأبي حامد الغزالي 1: 316، تحقيق: د. محمد سليمان الأشقر، بيروت 1417هـ ـ 1997م.
(3) علوم الحديث لابن الصلاح ص 213، تحقيق: د. نور الدين عتر، دمشق 1406هـ ـ 986م.