فهو قد خصَّها بكتاب نفيس، عرض فيه تاريخها، وناقشها مناقشة العالم المنصف، مع التحليل والتعليل والتفسير لكل ما قيل فيها من قبل المتقدمين والمتأخرين والمحدَثين، وردّ ما أُثير حولها من شبهات، وما أُشيع من أراجيف، ودعا إلى إنهاء الخلاف المعقد المزمن فيها بتحقيق التوظيف الكامل للحديث الشريف في الاحتجاج النحوي، وإجراء تطبيقات مختلفة على ذلك، ولخَّص رأيه بقوله السديد: (( فالواجب اعتماد الأحاديث المشرَّفة مصدرًا أساسيًّا في الاحتجاج النحوي؛ لأنها تمثل حياة لغوية واقعية صادقة، وهي تنقذ المصادر التراثية من الأمثلة التكوينية المصطنعة التي تجعل علم النحو جافًّا نافرًا بعيدًا عن الحياة ) ) [1] .
الشبهة الأولى: رواية الحديث بالمعنى: فهي قد تؤدي إلى الزيادة في لفظ الحديث والنقص والإبدال.
والسلف أصحاب الحديث والفقهاء والأصوليون في رواية الحديث بالمعنى على ثلاثة مذاهب:
الأول: منعها مطلقًا، ونُسب للجمهور [2] .
والثاني: جوازها بشروط.
والثالث: منعها في حديث رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -، وجوازها في غيره.
أما المانعون فلهم أدلة، منها ما أخرجه البخاري في صحيحه [3] عن البراء بن عازب ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إذا أتيتَ مَضجَعكَ فتَوَضَّأْ وُضوءَك للصلاة، ثم اضْطَجِعْ على شِقِّكَ الأيمن، ثم قل: اللّهمَّ أَسلَمتُ وجهي إليك، وفوَّضتُ أمري إليك، وألجأتُ ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأَ ولا مَنجى منكَ إلا إليك. اللّهمَّ آمنتُ بكتابكَ الذي أنزلتَ، ونبيِّكَ الذي أرسلتَ. فإن مُتَّ من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهنَّ آخر ما تتكلم به ) ). قال: فردَّدتها على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما بلغتُ: (( اللّهم آمنتُ بكتابك الذي أنزلتَ ) )قلت: ورسولِك. قال: (( لا، ونبيِّك الذي أرسلتَ ) ).
ويشهد له أن الصحابة ـ - رضي الله عنهم - ـ كانوا يتحرَّون الدقَّة في النقل، كالذي نجده عند الصحابي عبد اللّه بن عمر ـ رضي اللّه عنهما ـ في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه [4] عن ابن عمر عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: (( بُني الإسلام
(1) تاريخ الاحتجاج النحوي بالحديث الشريف ص 227.
(2) تحرير الرواية ص 99.
(3) صحيح البخاري: كتاب الوضوء: باب فضل من بات على الوضوء 1: 67.
(4) صحيح مسلم: كتاب الإيمان: باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام 1: 41.