الصفحة 24 من 185

وقد بيَّنَ الحافظ ابن رجب الحنبلي-في رسالته القيمة التي أسماها: (كشف الكربة في وصف أهل الغربة) (ص:18) وما بعدها-معنى هذا الحديث فقال: يريد به أن الناس كانوا قبل مبعثه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-على ضلالة عامة، كما قال النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في حديث عياض بن حمار التميمي الذي خرَّجه مسلم وفيه: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقَتَهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب) .

فلما بعث الله سيدنا وحبيبنا المصطفى ونبيه المجتبى، دعا إلى الإسلام في جاهلية جهلاء، وفي غربة عمياء لم يستجب له في أول الأمر إلا الواحد بعد الواحد من كل قبيلة، والمستجيب له يحس ويشعر بغربة عجيبة، مع استضعاف وتهذيب وحبس وقتل وتشريد وطرد إلى البلاد النائية كهجرتهم: من مكة إلى الحبشة مرتين، واللائحة من المحن طويلة والحبل إليها جرار.

ثم ظهر الإسلام ظهورًا واسعًا بعد الهجرة إلى المدينة وعزَّ، وقويت الشوكة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وأكمل الله لهم الدين، وأتمَّ عليهم النعمة، وتوفي رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-والأمر على ذلك، وأهل الإسلام على غاية من الاستقامة في دينهم، وهم متعاونون، متعاضدون، متناصرون يُسر بهم الحبيب، ولا يَشمت فيهم العدو، بل: إن أمر المسلمين كان يَغيظ العدوَّ ويؤلمه لما يرى ما عليه من الخير و (الحضارة) والسؤدد والتناصر والرفعة... إلى الصدر الثاني من خلافة أمير المؤمنين عثمان-رضي الله عنه- اندس بين المؤمنين أشخاص يكرهون الإسلام والمسلمين، واجتهدوا بنشر المكائد والإشاعات ضد أمير المؤمنين عثمان بن عفان، إلى أن حلت الكارثة بالإسلام والمسلمين بقتل عثمان-رضي الله عنه-ثم توالت المحن وتتابعت الفتن (مع خير كثير فيهم) إلى الآن وحتى (مع شر كثير فينا) . أما إنه لا يذهب الإسلام ولكن يذهب أهل السنة حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد [1] .

(1) -انظر: (طوبى للغرباء) (ص:10) وما بعدها. للأستاذ أحمد بن محمد طاحون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت