أرباب النفاق عند الزلزلة، فقال أحدهم-وهو معتب بن قشير أخو بني عمرو ابن عوف في ضيق وحنق-مصورًا حالة المنافقين جميعًا: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط!.
نحن اليوم في مثل هذا الموقف بكل ملابساته، وكل سماته، مع الجاهلية كلها من حولنا!، فلا يجوز-من ثم-أن ينقصنا اليقين في العاقبة المحتومة. العاقبة التي يشير إليها كل شيء من حولنا، على الرغم من جميع المظاهر الخادعة التي تحيط بنا.
إن حاجة البشرية اليوم إلى هذا المنهج، ليست بأقل من حاجتها آنذاك. وإن وزن هذا المنهج اليوم-بالقياس إلى كل ما لدى البشرية-من مناهج لا يقل عنه يومذاك ومن ثم ينبغي ألا يخالجنا الشك في أن ما وقع مرة في مثل هذه الظروف لا بد أن يقع) [1] .
فالمفسدون (يومهم بلا غد، وأرضهم بلا سماء، وعملهم بلا خاتمة، وسعيهم بلا نتيجة) ، (أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب) [2] ، قال تعالى: (وَقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورًا) [3] ، تذللوا وخضعوا لفقه القساوسة والرهبان، فكان إسلامهم (هدمًا بلا بناء، وصفة بلا معنى) [4] . وقد تمادى فراعين البشر في البطر إرضاءًا لهبل العصر (بوش الصليبي) سلط الله عليهم طيرًا أبابيل ولهذا قلت:
ودِّعْ قيودًا من فولاذٍ يا عُمَرْ * في غمرة الظلم الخسيس المنتشَر
أمْسِكْ أخي بالدين قاوم وانتصر * عودًا إلى ذكر البلاء المنتصَر
والظلم-حتمًا-عن قريب منقعِر * والظلم مرميٌّ بقوس منهمر
قد لا ترى إقبال خِلٍّ مزدجَر * بل: كل أمر فيه شر مستقر!
حسبي إلهي من فراعين البشر * لَجُّوا بظلمٍ وتمادوا في البطَر
لم يحفظوا عهدًا لطفل منكسر * قلوبهم بالطبع أقسى من حجر
ورُبَّ صخر منه يجري-كم-نهَرْ *أو: يهوِ خوفًا من عزيز مقتدرْ
ومن تأمل واقعنا وما يمر به ديننا، وما يصيب إخواننا ويتناوبهم من محن مؤلمة، وفتن مظلمة، ونزول البلاء بعد البلاء، وغلبة الأعداء، وتفشي الداء، وتحكم الأهواء، وتخاذل العلماء، وظلم الأقوياء،
(1) -انظر: (المستقبل لهذا الدين) (ص:93/95) ، و (تثبيت أفئدة المؤمنين بذكر مبشرات النصر والتمكين) (ص:19) .
(2) -سورة النور، رقم الآية: (38) .
(3) -سورة الفرقان، رقم الآية: (23) .
(4) -انظر مقدمة (نشر العبير) (ص:38) وما بعدها.