الصفحة 21 من 185

لا تقل لي:كيف ذلك ونحن في عالَمٍ أمريكي مسيطر مجنون؟ آنذاك أقول لكم: يجب أن نعيد القطار إلى السكة بحديد وكتاب، وميزان وآداب.

من نحن في هذا الكون؟ أو: وما المهمة التي خلقنا من أجلها؟ وماذا نريد من الحياة الدنيوية؟ وما نهجنا في تحقيق ما نريد؟ وهل نكتفي: (في هذا الموضع بعرض عبرة من الواقع التاريخي للإسلام، لعلها أنسب العبر في هذا المقام: بينما كان"سراقة بن مالك"يطارد رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وصاحبه أبا بكر-رضي الله عنه-وهما مهاجران خفية عن أعين قريش.. وبينما كان سراقة يعثر به فرسه كلما هم أن يتابع الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه، طمعًا في جائزة قريش المغرية التي رصدتها لمن يأتيها بمحمد وصاحبه أو: يُخبر عنهما...

وبينما هو يهمّ بالرجوع-وقد عاهد النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أن يكفيهما من وراءه.. في هذه اللحظة قال النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-:"يا سراقة، كيف بك وسواري كسرى؟". يعده سواري كسرى شاهنشاه الفرس! (ملك الملوك!) .

والله وحده يعلم ما هي الخواطر التي دارت في رأس سراقة؛ حول هذا العرض العجيب، من ذلك المطارد الوحيد..إلا من صاحبه الذي لا يغني شيئًا عنه [1] ، والمهاجر-سرًا -معه!

ولكن الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-كان عارفًا بالحق الذي معه، معرفته بالباطل الذي عليه الجاهلية في الأرض كلها يوم ذاك... وكان واثقًا من أن هذا الحق لا بد أن ينتصر على هذا الباطل، وأنه لا يمكن أن يوجد"الحق"في صورته هذه، وأن يوجد"الباطل"في صورته هذه، ثم لا يكون ما يكون. كانت الشجرة القديمة قد تآكلت جذورها كلها، بحيث لا يصلها ريّ ولا سماد... وكان واثقًا من هذا كله ثقة اليقين [2] .

وفي يوم الأحزاب، ويا له من يوم!! يقول الله تعالى عنه: (إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منك وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا) [3] . في هذه الساعات الرهيبة والرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-مع الصحابة يسهم في حفر الخندق، وبهم من الخوف والجوع ما الله به عليم، كان النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يستشرف النصر من بعيد، ويراه رأي العين في ومضات الصخور على ضرب المعاول يحدث النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أصحابه عن الغد المأمول، والمستقبل المرجو بفتح بلاد كسرى، وبلاد قيصر، وبلاد اليمن حديث الواثق المطمئن الذي أثار

(1) -لا يغني عنه شيئًا من حيث القوة المادية فقط.

(2) -انظر: (المستقبل لهذا الدين) (ص:93/95) ، و (تثبيت أفئدة المؤمنين بذكر مبشرات النصر والتمكين) (ص:17/18) .

(3) -انظر: (المستقبل لهذا الدين) (ص:93/95) ، و (تثبيت أفئدة المؤمنين بذكر مبشرات النصر والتمكين) (ص:17/18) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت