الصفحة 4 من 420

هو الغالب عند الحنفية وبعض المصنِّفين مِن غيرهم، وتَبِعَهم في ذلك مِن المعاصرين مَن صنَّفوا لِكليات الحقوق، أمثال: الشيخ خلاّف وأبي زهرة والخضري وغيرهم، رحمهم الله تعالى وجزاهم عنّا خير الجزاء ..

ونرى فريقًا آخَر يَسلك طريقة المتكلمين مِن كثرة الاستدلال العقلي والمحاورة والاعتراضات والجواب عنها، وقد تَوسَّع البعض في ذلك مِن إنشاء اعتراضات افتراضية، ونَذكر منها ما أَورَدَه الآمدي في الواجب المخير مِن أحد عشر وجهًا لِلاعتراض والجواب عنها (الإحكام 1/ 96 - 98) ، وكذلك ما أَورَده الأصفهاني في تعريف الحكم الشرعي مِن تسعة أوجه لِلاعتراض وأجاب عنها (الكاشف 1/ 195 - 215) ، وما أَورَدَه ابن قيم الجوزية مِن ستة وأربعين وجهًا لِحُجية قول الصحابي مع الجواب عن الاعتراضات الواردة أو التي قد تَرِد (أعلام الموقعين 4/ 409 - 431) ..

وهذا المنهج هو الغالب في الدراسة الجامعية بكليات الشريعة بالأزهر الشريف.

وأَذكر أنني حينما كنتُ طالبًا بالدراسات العليا، وكنا نَدرس بعض المسائل مِن كتاب"الإحكام"لِلآمدي كنا نتعجب؛ لِكثرة محاوراته ومناقشاته الافتراضية التي أعيتْنا دراسةً وحفظًا، ولِقِصَر فهْمنا يومها قلنا: ما الفائدة التي تَعود علينا مِن وراء هذه المحاورات الجدلية والتي ما هي في نظر البعض إلا سفسطة بِلا فائدة؟!

ولكن الذي اتضح لي بعد الغوص في غمار هذا العلم والعمل في مجال الدعوة أنّا في حاجة ماسّة إلى تربية الدعاة وطلاب العلم الشرعي على فهْم قواعد الجدل والمناظرة والمحاورة، والتي أَرسَى قواعدَها القرآنُ الكريم

في مواقف عدة، خاصةً ما كانت مِن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - مع قومه والنمروذ وعبادة الكواكب، وكذلك الأصل العامّ في الدعوة والجدل ... {وَجَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَن} (1) .

وكيف لا نحتاج إلى أن نُعلِّم طالب العلم أسس النقاش والحوار؛ لِيتمكن مِن الدعوة إلى الله والدفاع عن الحق ورَدّ خصومه وإبطال افتراءاتهم والتي تتكرر في كل زمان ومكان: كالطعن في السُّنَّة وإنكار الشفاعة واتهام الإسلام بالإرهاب؟

فأمثال هؤلاء لا تَكفي النصوص لِردعهم، وإنما يجب توافُر الأدلة والحجج العقلية مع النقلية لدى الدعاة والمفكرين وأهل العلم؛ حتى يُحِقّوا الحق ويُبطِلوا الباطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت