قد يقول قائل: إن المسلمين في صدر الإسلام كان لهم من القوة والنفوذ ما سهل عليهم تبليغ الإسلام باللغة العربية، أما الآن فأصبحوا مستضعفين في الأرض تابعين لا متبوعين، فلا نقيس حالهم اليوم بتلك الحال السابقة.
فالجواب: إن المشكلة ليست في الترجمة وحدها بل في الضعف والهزيمة، ولن يكون الحل في الترجمة، وإن كان لا مانع منه في بعض الجوانب، لكن يجب أن توضع الأمور في نصابها الصحيح (1) .
والذي نريد أن نخلص إليه أن الترجمة ليست عائقًا أمام عالمية هذا الدين والدعوة إليه، وأن القضية في الهزيمة الداخلية، كم نسبة الذين أسلموا واهتدوا حين ترجمت معاني القرآن، إلى عدد الذين دخلوا الإسلام، والقرآن لم يترجم بل بلغته العربية؟
تاريخ ترجمة القرآن الكريم
لعل من المناسب أن نلقي نظرة سريعة على تاريخ ترجمة القرآن الكريم، بل الترجمة في الإسلام، متى وجدت الفكرة، ومتى اتسع العمل والمطالبة بها، وما الدافع ؟ إن ذلك سوف يعين على فهم موضوع ترجمة القرآن، ومن ثم الوصول إلى الحكم الصائب فيها إن شاء الله.
الترجمة في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
نزل الوحي على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشعراء: 195] ، وجاءه التكليف بالدعوة لدين الله لسائر أمم الأرض { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعا } [ الأعراف: 158] ، قام - صلى الله عليه وسلم - بالدعوة لدين الله، وأرسل الرسل والكتب للملوك والقادة، وأكثرهم غير عرب، ولم يترجم شيئًا من كتبه، ولم يثبت أن أحدًا من هؤلاء الرسل يجيد لغة المرسل إليه (2) .
(1) محمد رشيد رضا: تفسير المنار 9/316-318، حسين سامي: مجموعة مقالات في مجلة الهداية الإسلامية، (شعبان 1351هـ) ، ص141، وعدد (ربيع الثاني 1351هـ) ص652.
(2) محمد سليمان: حدث الأحداث في الإسلام ص111-113 .